
سعيد بلمبخوت يكتب: عندما يُقصى الكاتب من ذاكرة مدينته.
تفاجأت، مثل كثيرين، بخبر انعقاد لقاء ثقافي بمنتجع مازغان، نُظم بمدينة الجديدة بمبادرة من جمعيتين، خُصص ـ حسب ما ورد ـ للتحضير وجمع مواد ما يُسمّى بـ”كتاب المدينة”. غير أن ما يثير الاستغراب، بل الأسف، هو أنني لم أتوصل بأي استدعاء أو إشعار بهذا اللقاء، ولم أعلم به إلا بعد انعقاده، عبر منشورات متداولة على موقع فيسبوك.
وأود هنا، من باب التوضيح لا الادعاء، أن أذكّر منظمي هذا اللقاء بأنني كاتب ومترجم معروف على الصعيد العربي، لي رصيد من المؤلفات في الترجمة والرواية، ومساهمات منشورة داخل المغرب وخارجه، وأن علاقتي بالمدينة ليست طارئة ولا عابرة، بل هي علاقة كتابة وذاكرة وانتماء.
الأمر الذي يزيد هذا الإقصاء غرابة، هو أنني من مؤسسي إحدى الجمعيات المنظمة لهذا اللقاء، وساهمت في مراحل سابقة، فكراً وعملاً، في بناء تصوراتها الثقافية وأهدافها العامة. لذلك فإن تغييب اسمي عن لقاء من هذا الحجم، وبهذا العنوان الرمزي المرتبط بـ”ذاكرة المدينة”، يطرح أكثر من سؤال مشروع حول معايير الدعوة، وحدود الإشراك، وطبيعة التصور الثقافي الذي يؤطر مثل هذه المبادرات.
إن كتاب المدينة، في جوهره، ليس مجرد تجميع نصوص أو أسماء، بل هو فعل اعتراف بكل من كتب المدينة، وحملها في لغته، ونقلها إلى الآخر، ودافع عن صورتها في المتن الثقافي الأوسع. وهو مشروع لا يكتمل بالإقصاء أو الانتقاء الضيق، بل بالانفتاح وتعدد الأصوات واختلاف الرؤى.
أما سبب عدم استدعائي، فيبقى ـ بطبيعة الحال ـ لدى المنظمين وحدهم. غير أن ما يهمني التأكيد عليه هو أن الثقافة لا تُبنى بالغياب المتعمد، ولا تُخدم بمنطق التجاهل، لأن المدينة التي تُقصي كتابها، تُفرغ ذاكرتها من أحد أهم روافدها.
وإذ أسجل هذا الموقف بكل هدوء ومسؤولية، فإنني أؤمن أن تصحيح المسار يظل ممكناً، متى توفرت الإرادة الصادقة، واحترام الرموز الثقافية، والإيمان بأن العمل الجمعوي الثقافي هو قبل كل شيء أخلاق مشاركة، لا حسابات إقصاء.






