الواجهةمجرد رأي

بناء المجتمع

تأليف أنتوني غيدنز

يمثل كتاب أنتوني غيدنز الموسوم بـ The Constitution of Society, Outline of the Theory of Structuration، الصادر سنة 1984، لحظة تأسيسية في مسار النظرية الاجتماعية المعاصرة. فالمؤلف، وهو عالم اجتماع بريطاني اضطلع بدور طليعي في تجديد الفكر السوسيولوجي خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، لا يقدم في هذا العمل مجرد إسهام إضافي في نقاش سوسيولوجي قائم، بل يطرح مشروعا فكريا طموحا يروم تجاوز الانقسامات الكبرى التي طبعت العلوم الإنسانية منذ نشأتها. ويأتي هذا الكتاب تتويجا لسلسلة من الأعمال التي طور فيها الكاتب أدواته المفاهيمية على امتداد ما يزيد على عقد من الزمن، ليقدمها هنا في صياغة منهجية متكاملة تعرف بنظرية البنينة (1).

تنبني الأطروحة المركزية للكتاب على مفهوم مفصلي هو ثنائية البنية، وهو المفهوم الذي يقدمه غيدنز حلا نظريا للانقسام التقليدي الذي شطر الحقل السوسيولوجي طويلا بين نزعتين متقابلتين. فمن جهة أولى تقف النزعة الذاتية بصيغها التأويلية، التي تضخم دور الفاعل الإنساني وتعتبر المجتمع مجرد نتاج مرن لإرادات الأفراد وخياراتهم. ومن جهة ثانية تقف النزعة الموضوعية بصيغها البنيوية والوظيفية، التي تلغي دور الفرد وترى في السلوك الإنساني مجرد انعكاس لبنى فوقية حتمية خارجة عن إرادته. ويقترح غيدنز بديلا يتجاوز هذه الثنائية المتقابلة، مؤكدا أن البنى الاجتماعية والفاعلين البشريين ليسوا كيانين منفصلين بل وجهان لعملة واحدة، فالقواعد والموارد الاجتماعية هي وسيط ونتيجة في الآن ذاته للممارسات التي يزاولها الأفراد يوميا (2).

يراهن غيدنز عبر هذا العمل على كسب جملة من الرهانات العلمية الحاسمة. فهو يسعى أولا إلى صياغة بديل نظري متماسك يملأ الفراغ الذي تركه انهيار ما يسميه الإجماع الأرثوذكسي التقليدي، الذي هيمنت فيه الوظيفية البارسونزية والنزعة الطبعانية على الحقل السوسيولوجي في العالم الناطق بالإنجليزية طيلة العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. ويسعى ثانيا إلى تأصيل الصلة بين التنظير الفلسفي المجرد والبحث الميداني التجريبي، بحيث تصبح النظرية أداة تفسيرية في خدمة دراسة الممارسات الملموسة لا حجابا يحول دون رؤيتها. ويراهن ثالثا على إعادة الاعتبار لوعي الفاعل وقدراته المعرفية، من خلال إبراز ما يسميه الوعي العملي الذي يمتلكه البشر بكيفية تسيير روتين حياتهم اليومية، بدلا من معاملتهم بوصفهم دمى ثقافية تحركها البنى. ويراهن أخيرا على تأصيل المنعطف اللغوي في السوسيولوجيا، من خلال نقل الاهتمام باللغة والتواصل من فضاء التجريد الفلسفي إلى ميدان دراسة الممارسات اليومية (3).

أولا. في السياق العام لظهور الكتاب

تنطلق مقدمة الكتاب من رصد جملة من التطورات الفكرية التي شهدها حقل العلوم الاجتماعية، وعلم الاجتماع تحديدا، خلال العقد ونصف العقد اللذين سبقا صدور هذا المؤلف. ويشير الكاتب إلى أن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت سيادة إجماع واسع، لا سيما في العالم الأنجلوسكسوني، حول طبيعة علم الاجتماع ومهامه. وقد هيمنت السوسيولوجيا الأمريكية آنذاك على مشهد التنظير الاجتماعي، بريادة تالكوت بارسونز الذي أرسى في كتابه بنية الفعل الاجتماعي الصادر منذ الثلاثينيات معالم منظور جامع بين الوظيفية والنزعة الطبعانية، مفترضا أن العلوم الاجتماعية تشترك مع العلوم الطبيعية في الإطار المنطقي ذاته (4).

وقد ارتكز هذا المنظور على قراءة انتقائية للتراث الأوروبي، تولي الأولوية لكل من دوركايم وفيبر وباريتو، فيما تستبعد كارل ماركس من دائرة المؤسسين، وتهمش الإسهامات الأمريكية الأصيلة كأعمال جورج هربرت ميد في التفاعلية الرمزية. غير أن الثقافة الفكرية الأوروبية كانت أكثر انفتاحا على المرجعية الماركسية، مما مهد لظهور جيل من السوسيولوجيين الأوروبيين، كدارندورف ولوكوود وريكس، ممن انتقدوا بارسونز وحاولوا التوليف بين مفاهيمه والمفاهيم الماركسية، بغية إعادة الاعتبار لظواهر الصراع الطبقي والقوة والانقسام الاجتماعي (5).

ثانيا. في عناصر نظرية البنينة

يفتتح غيدنز الفصل الأول من كتابه بنقد ما يسميه الإمبراطوريات النظرية القائمة في علم الاجتماع. فهو يرفض من جهة أولى إمبريالية الذات التي تتبناها السوسيولوجيا التأويلية، وترد المجتمع إلى مجرد تعبير عن إرادة الأفراد. ويرفض من جهة ثانية إمبريالية الموضوع الاجتماعي المتمثلة في الوظيفية والبنيوية التقليدية، والتي تتعامل مع البنى بوصفها قوى خارجية حتمية تشكل الأفراد كدمى. ويرى الكاتب أن الموضوع الحقيقي للعلوم الاجتماعية ليس تجربة الفرد المعزول ولا الوجود الآلي للمجتمع ككل، وإنما هو الممارسات الاجتماعية المنظمة والمتكررة عبر الزمان والمكان (6).

من هذا المنطلق يشيد غيدنز نموذجه التطبقي لبنية الفاعل الإنساني. فالفاعل عنده كائن ثلاثي المستويات، يجمع بين وعي خطابي يمكنه من صياغة أسباب أفعاله والتعبير عنها لفظيا حين يسأل عنها، ووعي عملي يمثل المحور الأهم في النظرية ويتضمن ما يسميه المعرفة الضمنية بكيفية تسيير روتين الحياة اليومية دون الحاجة إلى صياغتها في قوالب خطابية، وأخيرا مستوى الدافعية واللاوعي الذي يضم ما يحرك الرغبات وما يمارس تأثيره الصامت في السلوك (7).

ولا تعني الفاعلية عند غيدنز مجرد النوايا والخطط، بل ترتبط ارتباطا بنيويا بما يسميه القدرة التحويلية للفاعل، أي قدرته على إحداث فارق في مجرى الأحداث والتصرف بشكل مغاير في كل لحظة. وتؤدي الأفعال البشرية الواعية بصورة دائمة إلى نتائج غير مقصودة، تتحول عبر حلقات سببية صامتة إلى شروط غير معترف بها للأفعال اللاحقة. وترتبط بهذا التصور مقولة أخرى محورية هي جدلية التحكم، ومفادها أن القوة ملازمة لكل فعل اجتماعي، وأنه لا خضوع تاما في أي نسق اجتماعي، إذ يحتفظ حتى الأتباع والمرؤوسون بقدر أدنى من الموارد يتيح لهم التأثير في قرارات الآمرين والمتنفذين (8).

أما البنية في هذه النظرية فليست هيكلا ماديا صلبا كما درج التصور التقليدي، بل هي نسق افتراضي من القواعد والموارد يوجد خارج الزمان والمكان، ولا يتحقق فعليا إلا لحظة تجسده في الممارسات اليومية، أو بوصفه آثارا للذاكرة توجه السلوك المعرفي للفاعلين. وتتوزع المؤسسات الاجتماعية وفق هذا التصور على ثلاثة أبعاد بنيوية تفاعلية متكاملة (9).

يتصل البعد الأول، وهو بعد الدلالة، بنظريات الترميز وإنتاج المعنى داخل الأنساق الاجتماعية، ويتجسد بنيويا في الأنظمة الرمزية وأنماط الخطاب، أي في اللغة والقواعد التأويلية التي يعتمد عليها الفاعلون في التواصل وفهم بعضهم البعض. وتعد هذه الأنظمة الرمزية المستودع الأساسي للثقافة والأيديولوجيا التي تربط المعاني بمصالح فئات اجتماعية بعينها. أما البعد الثاني، وهو بعد السيطرة، فيتصل بمفهوم القوة وممارسة السلطة في الحياة الاجتماعية، ويتفرع إلى نظريتين لضبط الموارد، أولاهما تتعلق بإذنية الموارد البشرية أي القدرة على التحكم في أنشطة الأفراد وتوجيه حركاتهم، وتتجسد في المؤسسات السياسية، وثانيتهما تتعلق بتخصيص الموارد المادية أي السيطرة على السلع والأرض وأدوات الإنتاج، وتتجسد في المؤسسات الاقتصادية. ويؤكد غيدنز أن السيطرة ليست شرا مطلقا بل شرط بنيوي ملازم لكل اجتماع بشري. أما البعد الثالث، وهو بعد الشرعنة، فيرتكز على نظرية التقنين المعياري، ويتناول القواعد الأخلاقية والالتزامات والجزاءات التي تحدد الحقوق والواجبات المتوقعة من الفاعلين، ويتجسد في المؤسسات القانونية التي تضبط السلوك وتضمن الامتثال (10).

يميز غيدنز في ختام هذا الفصل بين مستويين من الاندماج الاجتماعي، هما الاندماج الاجتماعي بمعناه الضيق، ويعني التبادلية والروابط القائمة في سياق الحضور المباشر وجها لوجه بين الفاعلين، والاندماج النسقي الذي يعني الروابط الممتدة عبر مساحات شاسعة من الزمان والمكان بين فاعلين ومؤسسات في حالة غياب فيزيائي متبادل (11).

ثالثا. في الوعي والذات واللقاءات الاجتماعية

يخصص الفصل الثاني من الكتاب لتفصيل القول في مستويات الوعي والذات وبنية اللقاءات الاجتماعية. وينطلق غيدنز من مفهوم الارتدادية بوصفها عملية المراقبة المستمرة والممنهجة لتدفق التفاعلات في الحياة الاجتماعية اليومية، وهي أعمق من مجرد الوعي بالذات. ويؤكد الفصل النفاذ المركزي للوعي العملي الذي يتكون من المعرفة الضمنية والروتينات التي يوظفها الفاعلون للتعرف على كيفية المضي قدما وتسيير مواقف الحياة، مبينا أن الحدود بين الوعي الخطابي والوعي العملي مرنة ونافذة، على خلاف الحدود الفاصلة بينهما وبين اللاوعي التي تحكمها آليات الكبت (12).

يستعير غيدنز في هذا الفصل من علم نفس الأنا، وتحديدا من إريك إريكسون، مفهوم الأمن الأنطولوجي، ومفاده أن الاستقرار النفسي للفاعل يرتبط بشعور عميق بالثقة يتأسس في مرحلة الطفولة عبر روتين التعامل مع مقدمي الرعاية. ويعمل هذا الروتين المتكرر يوميا حاجزا يفصل الأنا عن القلق التدميري الكامن في اللاوعي، ويوفر شروط الحياة النفسية السوية (13).

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى تحليل دور الروتين في الحياة الاجتماعية، مؤكدا أن الدوافع لا تحرك السلوك اليومي مباشرة، بل تمد الفرد بمشاريع خطط عامة، فيما يتكفل الروتين والوعي العملي بإدارة التدفق اليومي للأفعال. ويستحضر في هذا السياق تجربة معسكرات الاعتقال النازية كما وثقتها شهادة برونو بتلهايم، بوصفها نموذجا للحالات الحرجة التي ينهار فيها الروتين المألوف وتنكشف هشاشة الأمن الأنطولوجي أمام ضغط الظروف الاستثنائية (14).

يقدم غيدنز في هذا الفصل قراءة معمقة لأعمال إرفينغ غوفمان، ويرى أنها تنطوي على تحليل بنيوي عميق لتنظيم الجسد والحركات والطقوس في اللقاءات اليومية. فمفاهيم اللباقة وحفظ ماء الوجه والمناطق الأمامية والخلفية ليست عنده مجرد مناورات سطحية، بل هي الآليات الأساسية التي يعتمد عليها البشر لدفع القلق والحفاظ على الثقة والامتداد النسقي للمجتمع. ويعالج الكاتب في السياق ذاته مفهوم التسلسل وأخذ الأدوار في اللقاءات، ومفهوم تموضع الفاعلين في الهويات الاجتماعية المرتبطة بالعمر والجنس والوظيفة (15).

يفرد غيدنز لكلام الخطاب اليومي حيزا خاصا، معالجا إياه بوصفه ممارسة عملية تستخدم لتثبيت المعاني سياقيا، لا مجرد نسق من العلامات المجردة. ويختتم الفصل بمناقشة نقدية لأطروحة سيغموند فرويد حول زلات اللسان، مقرا بأن هذه الزلات تكشف بالفعل عن دوافع غير مقصودة، لكنه ينتقد النزعة الاختزالية في التحليل النفسي التي تبالغ في تصوير الفاعل خاضعا بالكامل لسيطرة اللاوعي، مغفلة القدرة المعرفية المعقدة والتحكم الارتدادي الذي يمارسه الأفراد على سلوكياتهم وأجسادهم (16).

رابعا. في الزمان والمكان والأقلمة

يعالج الفصل الثالث إشكاليات الزمان والمكان والأقلمة، منطلقا من مناقشة ما طوره الجغرافي السويدي تورستن هاغرستراند تحت مسمى جغرافيا الزمان. ويثمن غيدنز تركيز هذه المقاربة على القيود المادية والبيئية التي تحكم حركة الأجساد في الفضاء، لكنه ينتقدها لكونها تفتقر إلى نظرية سوسيولوجية متكاملة تفسر الفاعلية والقوة، وتغفل كيف يشحن الفاعلون الأماكن بالمعاني الذاتية والعملية (17).

يقترح الكاتب في مقابل ذلك مفهوم المحلات، ويرى أن المكان ليس مجرد نقطة جغرافية أو مساحة جامدة، بل هو سياق مادي للتفاعل، كالمنزل والمصنع والمكتب، يستخدمه الفاعلون بشكل روتيني وضمني لإضفاء المعنى على تواصلهم اليومي. أما الأقلمة فليست تقسيما مكانيا محضا، بل هي عملية تقسيم للزمان والمكان معا وتشكيلهما عبر ممارسات روتينية مؤسساتية متكررة، كتقسيم فضاءات وأوقات العمل والراحة داخل المؤسسة الواحدة. ويستأنف الفصل تحليل ثنائية المناطق الأمامية والمناطق الخلفية التي كان قد تناولها في الفصل السابق، مستفيدا من أعمال غوفمان (18).

يخصص غيدنز حيزا مهما من هذا الفصل لتفكيك ثنائية المستوى الأصغر والمستوى الأكبر التي هيمنت طويلا على النقاش السوسيولوجي. فهو يرفض التصور الذي يعتبر التفاعلات اليومية الصغيرة مجرد لبنات بناء تنفصل عن البنى الاجتماعية الكبرى، أو التصور المعاكس الذي يرى في البنى واقعا مستقلا عن الممارسات. ويقترح في مقابل ذلك ثنائية بديلة تقوم على الاندماج الاجتماعي في سياق الحضور المشترك، والاندماج النسقي في حالة الغياب الفيزيائي (19).

يختتم الفصل بمناقشة نقدية لأطروحات ميشيل فوكو حول كيفية توزيع الأجساد وضبط الزمان والمكان داخل المؤسسات العقابية والحديثة. ويتفق غيدنز مع فوكو في أن المؤسسات الحديثة تعمل مستودعات للقوة تضبط الأجساد مكانيا وزمنيا، لكنه ينتقده لكونه يبالغ في تصوير القوة آلية ميكانيكية تسحق الفاعل وتحوله إلى جسد مطيع، مغفلا جدلية التحكم وقدرة الفاعلين الارتدادية على المناورة وإحداث فارق حتى داخل أشد الأنساق تقييدا (20).

خامسا. في البنية والنسق وإعادة الإنتاج الاجتماعي

يعالج الفصل الرابع من الكتاب العلاقة بين البنية والنسق وإعادة الإنتاج الاجتماعي. ينطلق غيدنز من تمييز دقيق بين المجتمعات والأنساق الاجتماعية، مبينا أن الأخيرة تتكون من علاقات مُعاد إنتاجها بين فاعلين أو جماعات، وتتخذ شكل ممارسات منتظمة ومستمرة. ويجادل بأن درجة النسقية تختلف من نسق لآخر، رافضا التصورات الوظيفية والطبعانية التي تعامل المجتمعات باعتبارها وحدات متكاملة ذات حدود واضحة وثابتة، كما هو شأن الكائنات العضوية، ومؤكدا أن المجتمعات نادرا ما حظيت بحدود جغرافية أو سياسية حاسمة إلا مع ظهور الدول الأمة الحديثة (21).

يعرض الفصل بتفصيل لمفهوم القسر البنيوي كما أسس له إميل دوركايم، والذي ينظر إلى البنى بوصفها قوى اجتماعية خارجية تضغط على الفاعل وتحدد سلوكه قسرا. ويرفض غيدنز التعامل مع القسر الاجتماعي بوصفه قوة فيزيائية آلية تسحق وعي الفاعل، مؤكدا عبر مفهوم ثنائية البنية أن البنية ممكِّنة ومقيِّدة في الآن ذاته، فالقواعد البنيوية هي التي تمنح الفاعلين القدرة على الفعل أصلا، وليست مجرد حواجز خارجية (22).

يميز الكاتب في هذا السياق بين ثلاثة معان للقسر تؤثر في الممارسات الاجتماعية. فالقسر المادي هو الذي ينبع من الطبيعة الفيزيائية للجسد ومن قيود المحيط. والقسر الجزائي المعياري هو الذي يرتبط مباشرة بالقواعد الأخلاقية والقوانين والعقوبات التي تفرضها المؤسسات أو الفاعلون الآخرون لضمان الامتثال. أما القسر البنيوي بمعناه الصرف فيرتبط بكيفية تموضع السياقات والفرص المتاحة، إذ تفرض الخصائص البنيوية للأنساق سياقات محددة للفعل تجعل خيارات بعينها ممكنة وأخرى مستبعدة، دون أن يلغي ذلك قدرة الفاعل على التصرف بشكل مغاير (23).

يحلل غيدنز بعد ذلك ظاهرة التشيؤ بوصفها عملية تطبيع خطابي، يميل من خلالها الفاعلون في وعيهم الخطابي إلى معاملة المنتجات والظروف التاريخية والاجتماعية الناتجة عن الفعل البشري وكأنها قوانين طبيعية حتمية خارجة عن سيطرتهم. ويعتبر التشيؤ أحد الأبعاد الأساسية للأيديولوجيا في الحياة الاجتماعية، لأنه يضفي المشروعية على مصالح فئوية خاصة عبر تصويرها شروطا كونية ثابتة (24).

يتطرق الفصل بعد ذلك إلى المبادئ البنيوية، وهي أعمق الخصائص البنيوية رسوخا في الزمان والمكان، والتي تنظم الكليات المجتمعية بأسرها. ويقسم غيدنز المجتمعات تاريخيا على أساس هذه المبادئ إلى ثلاثة أنماط كبرى هي الثقافات القبلية والمجتمعات المنقسمة طبقيا والدول الأمة الحديثة المرتبطة برأسمالية الصناعة. ويختتم الفصل بمعالجة مفهوم التناقض البنيوي، الذي يعبر عن التضارب بين المبادئ التنظيمية الأساسية للنسق الاجتماعي، ويفتح المجال لظهور الصراعات وتأسيس شروط التحول. ويعود الكاتب في هذا السياق إلى مقولة ماركس الشهيرة، ليؤكد أن البشر يصنعون تاريخهم بشكل واع، ولكن في شروط لم يختاروها بأنفسهم، وأن هذا التاريخ ينشأ نتاجا مستمرا للممارسات الواعية، لكنه يفلت باستمرار من التخطيط المقصود بسبب التدفق اللامتناهي للنتائج غير المقصودة (25).

سادسا. في التغير والتطور والقوة

ينتقل الفصل الخامس إلى مساءلة المقاربات التطورية التقليدية في علم الاجتماع، التي تنظر إلى التاريخ البشري بوصفه مراحل خطية حتمية متصاعدة. ويقدم غيدنز نقدا موسعا لاستعارة مفهوم التكيف من علم الأحياء الطبيعي، مبينا عدم ملاءمته لتفسير التحولات الاجتماعية المعقدة. ويعيد صياغة العلاقة بين التطور والتاريخ، مميزا بين الحتميات التاريخية وبين صناعة التاريخ بوصفها نتاجا للممارسات البشرية (26).

يقدم الكاتب في مقابل هذه المقاربات إطاره البديل لتحليل التغير، مستندا إلى مفاهيم من قبيل الحلقة وزمن العالم لتفسير كيفية حدوث التحولات المؤسساتية الكبرى. ويربط التغير الاجتماعي ديناميكيا بمفهوم القوة والقدرة التحويلية للفاعلين، مؤكدا أن التغير لا يحدث آليا، بل عبر صراع الموارد وجدلية التحكم (27).

يخصص غيدنز في هذا الفصل حيزا نقديا جوهريا لتفكيك أطروحات تالكوت بارسونز حول التطور الاجتماعي والتمايز المؤسساتي. فهو ينتقد النموذج الاندماجي أو الانبثاقي الذي يمثله فكر بارسونز، والذي يرى أن التغير الاجتماعي مدفوع أساسا بآليات داخلية تتطور بشكل حتمي من البساطة إلى التعقيد، على غرار نمو الكائن العضوي. ويرى غيدنز أن هذا المنظور يتجاهل ما يسميه الأنساق البين مجتمعية، فالتغير لا ينبع من الداخل فحسب، بل يحدث عند تداخل مجتمعات متعددة تختلف في قوتها ومبادئها البنيوية عبر ما يسميه التخوم الزمكانية (28).

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى تفكيك مفهوم التمايز المؤسساتي عند بارسونز، والذي ينظر إليه بوصفه عملية انفصال المؤسسات عن بعضها لتصبح أكثر تخصصا، كانفصال الأسرة عن وحدة الإنتاج الاقتصادي، بما يزيد كفاءة الجسد الاجتماعي ويحقق التكيف. ويرى غيدنز أن بارسونز يتعامل مع التمايز آلية ميكانيكية تلقائية تسعى لتلبية حاجات النسق، مغفلا دور القوة والصراع. فالتمايز المؤسساتي في الواقع ليس ارتقاء وظيفيا محضا، بل نتاج مباشر للقدرة التحويلية للفاعلين وللصراع المستمر حول السيطرة على موارد التخصيص المادية وموارد الإذنية السلطوية (29).

يمتد النقد ليطال بالتوازي المادية التاريخية عند كارل ماركس. فغيدنز يرفض الاختزال الإنتاجي الذي يرى في تطور قوى الإنتاج المحرك الأساسي والوحيد للتاريخ، والذي يعتبر العلاقات الاقتصادية بنية تحتية تحدد ملامح البنية الفوقية من سياسة وقانون وأيديولوجيا. ويرى الكاتب أن هذا الاختزال يغفل دور الموارد الإذنية السلطوية، أي القدرة على التحكم في أنشطة الأفراد وتوجيه الأجساد وتنظيم الزمان والمكان. فالقوة السياسية والعقدية والدولية لا يمكن تفسيرها دائما بوصفها عنصرا تابعا للاقتصاد، بل هي مبادئ بنيوية مستقلة لها وزنها الخاص في صناعة التاريخ (30).

يفكك غيدنز كذلك المنظور التطوري الخطي في المادية التاريخية الكلاسيكية، الذي يفترض أن المجتمعات البشرية تمر حتما عبر مراحل متعاقبة من المشاعة البدائية إلى العبودية فالإقطاع فالرأسمالية وصولا إلى الاشتراكية. ويرى في ذلك شكلا من أشكال التطبيع التاريخي الذي يتجاهل أن التاريخ البشري لا يسير وفق خط مرسوم مسبقا، وأن التحولات الكبرى تحدث نتيجة التفاعل والاصطدام بين مجتمعات متباينة في القوة والأنساق البنيوية عبر التخوم الزمكانية. ويعيد الكاتب صياغة مقولة ماركس الشهيرة حول صناعة التاريخ، مؤكدا أن ماركس لامس فيها جوهر أطروحة ثنائية البنية، لكن المادية التاريخية اللاحقة سقطت في نزعة موضوعية ألغت فاعلية الإنسان (31).

في المسار نفسه، ينتقد غيدنز اعتبار الصراع الطبقي محركا وحيدا للتاريخ. فهذا التعميم لا ينطبق في نظره إلا جزئيا على الرأسمالية الحديثة، حيث يهيمن العزل الطبقي الاقتصادي بشكل واضح. أما في المجتمعات التقليدية والثقافات القبلية والمجتمعات المنقسمة طبقيا في التاريخ القديم، فإن آليات القرابة والدين والقوة العسكرية والسياسية للدولة كانت هي المبادئ البنيوية المهيمنة على الاندماج الاجتماعي والنسقي، لا الصراع الطبقي بمفهومه الحديث (32).

سابعا. في نظرية البنينة والبحث التجريبي والنقد الاجتماعي

يعالج الفصل السادس والأخير كيفية نقل نظرية البنينة من فضاء التجريد الفلسفي إلى ميدان البحث التجريبي والنقد الاجتماعي. يستهل غيدنز الفصل بمراجعة مكثفة لأدواته المفاهيمية، من الفاعل والوعي العملي والوعي الخطابي وثنائية البنية، مؤكدا جهوزيتها للاستخدام أدوات تفسيرية في العمل الميداني. ويقدم بعد ذلك مبحثا حول تحليل السلوك الاستراتيجي، يركز فيه على كيفية دراسة الطرق التي يتلاعب من خلالها الفاعلون الواعون بالقواعد والموارد المتاحة لهم في مواقف محددة لتحقيق مآربهم (33).

يجدد الكاتب في هذا الفصل نقده الصارم للوظيفية، مبينا للباحثين الميدانيين كيفية تتبع حلقات التغذية الراجعة الصامتة للنتائج غير المقصودة للأفعال البشرية، وكيفية تحولها إلى شروط موضوعية تعيد إنتاج المؤسسات دون الحاجة إلى تبني أفكار الوظيفية حول حاجات المجتمع. ويعالج كذلك مسألة القسر البنيوي في البحث التجريبي، موضحا كيف يمكن للباحث دراسته دون إغفال البعد التمكيني للبنى (34).

يقدم غيدنز في السياق ذاته دليلا إجرائيا لدراسة الصراعات الميدانية بوصفها انعكاسا للتناقضات الصارخة بين المبادئ التنظيمية الكبرى للأنساق الاجتماعية. ويميز بين ما يسميه المعرفة المتبادلة الضمنية التي يمتلكها الفاعلون لإدارة حياتهم، والتي ينبغي على الباحث فهمها وتفكيكها تأويليا، وبين الحس المشترك القابل للنقد والتمحيص (35).

يتوقف الكاتب عند مسألة التعميمات في العلوم الاجتماعية، مؤكدا أن هذه التعميمات ليست قوانين طبيعية ثابتة، بل هي تعميمات غير مستقرة، لأن الفاعلين بمجرد معرفتهم بها يمكنهم تغيير سلوكياتهم وإحداث أثر تحويلي يفلت من نطاق تلك القوانين. وينتهي الفصل بعرض مفهوم التأويلية المزدوجة، ويقصد به التفاعل التبادلي المستمر بين المفاهيم التي يصوغها علماء الاجتماع وبين الممارسات اليومية للبشر، حيث يستوعب الأفراد العاديون نظريات علم الاجتماع، كمفهوم السيادة أو الدولة، ويعيدون دمجها في سلوكهم الروتيني، مما يجعل علم الاجتماع علما نقديا وتطبيقيا بطبيعته (36).

ثامنا. في خلاصات الكتاب وأطروحته الجامعة

تخلص القراءة المتأنية لمشروع غيدنز إلى أن نظرية البنينة تشكل محاولة تأسيسية لتجاوز الثنائيات الكبرى التي طبعت الحقل السوسيولوجي منذ نشأته. فالبنيوية التقليدية والفردية المنهجية أخفقتا معا في تقديم تفسير متكامل للحياة الاجتماعية، إذ ألغت الأولى الفاعل واعتبرته خاضعا كليا للقسر، فيما اعتبرت الثانية المجتمع مجرد خلق مرن للأفراد. والبديل الذي يطرحه غيدنز هو إدراك أن القسر ليس نقيضا للحرية أو الفاعلية، بل هو المادة ذاتها التي تصنع منها الممارسات الاجتماعية عبر الزمان والمكان (37).

يلتقي نقد غيدنز لماركس مع نقده لبارسونز في نقطة جوهرية، إذ يرى أن كلا المشروعين، رغم تباينهما الظاهر، قد سقطا في فخ تغليب النسق البنيوي الكلي على حساب الفاعل البشري، واختزلا التاريخ في قوانين تطورية حتمية، سواء تعلق الأمر بتلبية حاجات النسق عند بارسونز أو بتطوير قوى الإنتاج عند ماركس. والبديل الذي يطرحه الكاتب هو العودة إلى دراسة الممارسات اليومية الروتينية والارتدادية بوصفها القنوات الأساسية التي يصنع عبرها التغير والقوة والتحول التاريخي (38).

خلاصة القول، فإن كتاب بناء المجتمع لأنتوني غيدنز يقدم مساهمة نظرية ومنهجية عميقة الأثر، ويضع بين يدي الباحث في العلوم الاجتماعية جهازا مفاهيميا متكاملا يستوعب التداخل الجدلي بين الفاعل والبنية، وبين الزمان والمكان، وبين المستوى الأصغر والمستوى الأكبر، وبين النظرية والممارسة. وهو بذلك يمثل لحظة نضج نوعية في مسار السوسيولوجيا المعاصرة، ويظل مرجعا لا غنى عنه لكل من يسعى إلى تجديد أدوات التفكير السوسيولوجي والانفتاح على أفق تحليلي جديد.

الهوامش

1. مقدمة الكتاب، الصفحات من xiii إلى xv.
2. عناصر نظرية البنينة، الصفحات من 25 إلى 28.
3. مقدمة الكتاب، الصفحات من xiii إلى xv.
4. مقدمة الكتاب، الصفحة xiii.
5. مقدمة الكتاب، الصفحات من xiv إلى xv.
6. عناصر نظرية البنينة، الصفحات من 1 إلى 5.
7. عناصر نظرية البنينة، الصفحات من 5 إلى 16.
8. عناصر نظرية البنينة، الصفحات من 9 إلى 16.
9. عناصر نظرية البنينة، الصفحات من 16 إلى 25.
10. عناصر نظرية البنينة، الصفحات من 28 إلى 34.
11. عناصر نظرية البنينة، الصفحة 34.
12. الوعي والذات واللقاءات الاجتماعية، الصفحات من 41 إلى 45.
13. الوعي والذات واللقاءات الاجتماعية، الصفحات من 45 إلى 51.
14. الوعي والذات واللقاءات الاجتماعية، الصفحات من 51 إلى 60.
15. الوعي والذات واللقاءات الاجتماعية، الصفحات من 64 إلى 78.
16. الوعي والذات واللقاءات الاجتماعية، الصفحات من 78 إلى 104.
17. الزمان والمكان والأقلمة، الصفحات من 110 إلى 116.
18. الزمان والمكان والأقلمة، الصفحات من 116 إلى 122.
19. الزمان والمكان والأقلمة، الصفحات من 122 إلى 139.
20. الزمان والمكان والأقلمة، الصفحات من 139 إلى 145.
21. البنية والنسق وإعادة الإنتاج الاجتماعي، الصفحات من 162 إلى 169.
22. البنية والنسق وإعادة الإنتاج الاجتماعي، الصفحات من 169 إلى 174.
23. البنية والنسق وإعادة الإنتاج الاجتماعي، الصفحات من 174 إلى 179.
24. البنية والنسق وإعادة الإنتاج الاجتماعي، الصفحات من 179 إلى 180.
25. البنية والنسق وإعادة الإنتاج الاجتماعي، الصفحات من 180 إلى 199.
26. التغير والتطور والقوة، الصفحات من 228 إلى 236.
27. التغير والتطور والقوة، الصفحات من 236 إلى 256.
28. التغير والتطور والقوة، الصفحات من 256 إلى 263.
29. التغير والتطور والقوة، الصفحات من 263 إلى 270.
30. التغير والتطور والقوة، الصفحات من 270 إلى 274.
31. التغير والتطور والقوة، الصفحات من 274 إلى 278.
32. التغير والتطور والقوة، الصفحات من 278 إلى 280.
33. نظرية البنينة والبحث التجريبي والنقد الاجتماعي، الصفحات من 281 إلى 288.
34. نظرية البنينة والبحث التجريبي والنقد الاجتماعي، الصفحات من 288 إلى 304.
35. نظرية البنينة والبحث التجريبي والنقد الاجتماعي، الصفحات من 304 إلى 343.
36. نظرية البنينة والبحث التجريبي والنقد الاجتماعي، الصفحات من 343 إلى 354.
37. الخاتمة، الصفحات من 355 إلى 358.
38. الخاتمة، الصفحات من 358 إلى 362.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى