بورتريه : إدريس الشرايبي .. المعلّم الأول

بقلم : ذ: عبد الرحيم الخصار

    نظرة هادئة وعميقة لعينين لا تستطيع النظارتان الطبيتان أن تخفيا العمق والحكمة التي تحملها، إنها نظرة رجل يقول ما يريد بدم بارد، حتى لو كان كلامه شبيها بالنار التي تخرج من فم التنين، لا لتحرق أحدا، وإنما لتجلو الصدأ عن أفكار ثابتة.

    هذا هو ادريس الشرايبي الذي كان يجلس قبل سنوات على أريكة صفراء قديمة، وخلفه جدار طلاؤه لا يلمع بالضرورة، يتحدث أحيانا كما لو أنه معني بكل تفاصيل هذا العالم، وأحيانا كما لو أن العالم برمته لا يعنيه، يتذكر مدينته الساحلية الهادئة “الجديدة”، ثم يرسل سلاما مبطنا بالشوق لأهل هذه المدينة، يتحدث بالفرنسية ويحرك يديه كما لو كان نحاتا، يغرد عصفور فجأة على مقربة منه، فيرد عليه :”سلام يا عصفور”، يقولها بعربية دبغها التبغ و الحنين.

    كان ذلك في برنامج قدمته القناة الثانية في مغربنا الذي تعود إعلامه على غض الطرف عن كتابنا الكبار، عن الذين مروا من هذا العالم غير متطلبين، و لا راغبين في شيء، زاهدين في كل شيء إلا في الجمال. لم تكن رغبة الشرايبي ورفاقه هي أن يغيروا العالم، بل كانوا يحلمون بأن يزداد جمالا، بأن تعلو قيم الخير، ليتراجع الشر نحو دهاليزه المعتمة.

    كاتب من العيار الأكثر ثقلا في الحياة الثقافية، عاش حياة شاسعة اتسمت بالحكمة والرزانة وعمق النظر، كما اتسمت بالتمرد والشغب والسخرية، أجمع عدد كبير من النقاد على أن روايته “الماضي البسيط” هي التي أدخلت الأدب المغربي إلى الحداثة، يقول عنه الطاهر بن جلون: “لقد كان أفضلنا، إنه أستاذنا… وروايته الأولى عمل رائع يعادل رواية الغريب” لألبير كامي”.

    ولد إدريس الشرايبي عام 1926 في مدينة الجديدة، المدينة الجميلة التي تبتعد عن العاصمة المغربية ساعتين من الزمن، عاش 81 عاماً من الحياة والأدب، منتصرا للقيم الجمالية ومنتقدا كل النقط السوداء على خريطة بلاده، غير آبه لعواقب الكلمات.

    روايته الشهيرة le Passé simple الصادرة لدى “دار غاليمار” عام 1954 أثارت زوابع كثيرة في فترة صعبة كان المغاربة يستعدّون خلالها للاستقلال ولطرد الاستعمار الفرنسي من بلادهم، إذ جاءت ضد الأفكار الجامدة والتقاليد المغربية المتجاوزة، ذلك أن بطلها الشاب يحلم بتنسم هواء أفضل في أرض أخرى، في فرنسا بالتحديد، حيث يمكن للطيور أن تحلق في سماء أكثر علوا وشساعة.
اتهم المثقفون و”الوطنيون” المغاربة إدريس الشرايبي، حينذاك، بالخيانة، فيما تلقتها الأوساط الفرنسية بحفاوة لا تخلو من حذر، كالذي يكنّه دائما ربان سفينة ما لراكب جديد ينحدر من شمال إفريقيا، إلا أن هذه الرواية ستجد بالتدريج مكانها في الازدحام الأدبي الفرنسي لتصنف كواحدة من الروايات المهمة في القرن الماضي.

    وضع الشرايبي قدمه في فرنسا عام 1946 لدراسة الكيمياء، ورغم تميزه في هذه الشعبة وتخرجه مهندساً كيميائياً، كان يرى أنها تبعده عن الروحيات، لذا غيّر طريقه بشكل فجائي وعبثي ليشتغل في مهن لا علاقة لها بالكيمياء أو الهندسة، فكان مرة حمالاً ومرة حارسا ليليا وأخرى عاملا بسيطا، بل أمضى أيضا فترة في تدريس اللغة العربية.

    ربما المجال الوحيد الأقرب إلى الأدب الذي اشتغل فيه الشرايبي هو الصحافة والإعلام، حيث عمل منتجا في مكتب الإذاعة والتلفزيون الفرنسيين، وقام بتسيير برنامج Les dramatiques في قناة France culture مدة ثلاثين عاماً، ودرّس الأدب المغاربي عام 1970 في جامعة لافال بكندا.

    بعد “الماضي البسيط” أصدر الشرايبي، غالبا عن “دار غاليمار”، عددا من الأعمال المهمة جعلته يتخذ موقعه كرائد بلا منازع للأدب المغربي المكتوب بالفرنسية: “الحمار” 1956، “من كل الآفاق” 1958، “الحشد” 1961، “انتقال مفتوح” 1962، “صديق سيأتي لرؤيتك” 1967، “الحضارة أمي” 1972، “موت في كندا” 1975، “تحقيق في البلاد” 1981، “أم الربيع” 1982، “رجل الكتاب” 1984، “مولد في الفجر” 1986، “المفتش علي” 1995، “المفتش علي وC.I.A” 1996، “قرأ، نظر، سمع” 1998، “العالم جانبا – سيرة ذاتية” 2001، “الرجل الذي جاء من الماضي” 2004، إضافة إلى رواية جديدة لم يتمكن من إنهائها، مستوحاة من الأحداث المؤلمة التي عاشها لبنان إبان الاعتداء الإسرائيلي، وتحديدا مجزرة قانا.

    قبل أشهر من وفاته، كان الشرايبي يشهد احتفالا أقيم من أجله في مدينة الجديدة، مسقطه، عبّر فيه عن سعادته وتأثره بالحفاوة التي تتسم بالبساطة و”غياب لغة الخشب وحضور المسحة الإنسانية المنبعثة من الإنسان تجاه أخيه الإنسان”، وأضاف مفسرا سبب سعادته: “لقد جئت لأعانق مجددا جذوري العميقة والأمكنة التي ولدت فيها وأمضيت طفولتي، والمحيط الأطلسي والعصافير التي ربما هي نفسها التي كانت قبل ثمانين سنة”، فيما سجل الراحل عبد الكبير الخطيبي خلال ذلك اللقاء أن رجوع الشرايبي من حين إلى آخر إلى الجديدة يعكس ارتباطا وجدانيا بالتاريخ والذاكرة، وتوقف أيضا عند التداخل الثقافي المثري للكاتب وبعض سمات أعماله السردية كالشخوص المفعمة بالحركية والجمل المتسمة بالسرعة والإيقاع.

    حصل الشرايبي على جوائز مهمة، منها جائزة افريقيا المتوسطة عام 1973 وجائزة الصداقة الفرنسية – العربية عام 1981، وجائزة موندليلو في إيطاليا، إلا إنه لم يكن على الإطلاق يسعى إلى الجوائز والمهرجانات بقدر ما كان يسعى إلى الأدب، إلى دفئه الذي يعتبر لكاتب في حجمه ومزاجه العزاء الوحيد والملاذ الذي يحمي العقل والروح من صقيع الحياة.

    كان الشرايبي يردد جملة أثيرة: “أنا كاتب شبح”، لذلك عاش بعيدا عن ضجيج المثقفين لكنه كان يقيم بالضرورة في عمق الثقافة، وإن ابتعد في أواخر حياته عن كل الأعمال والحيوات الأدبية المشتركة معتزلاً ومتفرغاً للأدب في جزيرة ديو الفرنسية. وبعد حياة شاسعة جدا، عاد الشرايبي إلى المغرب عودته الأخيرة ليقيم الجسد في مقبرة الشهداء بمدينة الدار البيضاء بناء على

    رغبة زوجته الاسكتلندية شينا التي ارتأت أن يُدفن جوار أبيه. بينما يظل اسمه حاضرا على الدوام لدى القراء ومحبي الأدب بوصفه “الكاتب الحالم” كما كان يسمي نفسه، وبوصفه “المعلم الأول” في مدرسة الأدب المغربي المكتوب بلغة موليير.

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

الدار البيضاء تم زوالا اليوم توقيف شخص من ذوي السوابق القضائية للاشتباه في ارتكابه عملتي سرقة تحت التهديد على متن حافلتين للنقل العمومي

الدار البيضاء تم زوالاليوم توقيف شخص من ذوي السوابق القضائية للاشتباه في ارتكابه عملتي سرقة ...