24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهةمجرد رأي

بين الأمانة والاستئثار .. أزمة الضمير في خطاب السياسي المعاصر

في زمن تكثر فيه الشعارات وتتعدد فيه الوعود الانتخابية، يبرز سؤال جوهري حول حقيقة الدور المنوط بمن يمارس السياسة أو يخوض غمار الانتخابات. هل هو دور قائم على المشاركة الفاعلة في بناء آليات الدولة الحديثة، وخدمة الصالح العام، أم أنه مجرد مطية للوصول إلى مكاسب شخصية، وتصفية حسابات، وتكديس للثروات؟

لا يمكن لأحد أن ينكر أن العمل السياسي والنيابي هو رسالة سامية، ومسؤولية عظيمة تتطلب من الفرد أن يكون نزيهاً مع نفسه قبل أن يكون نزيهاً مع الناس. إنه دور الشريك الحقيقي في رسم ملامح المستقبل، وتصحيح المسار، والدفاع عن قضايا المواطنين. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الرسالة إلى سلعة، وحين يصبح الكرسي هدفاً في حد ذاته، لا وسيلة لتحقيق الإصلاح.

إن من يرى في المنصب الانتخابي فرصة للاغتناء السريع، أو البحث عن عقارات باسمه أو باسم ذويه، أو وسيلة للانتقام ممن خالفوه الرأي، إنما هو قد أخطأ الطريق من بدايته. هؤلاء ينسون أن الدنيا دول، وأن الكراسي مهما طال الجلوس عليها فإنها لا تدوم.

عبر من الماضي.. قصاص عاجل قبل الآجل

وإذا أراد البعض أن يستبشر بطول العمر أو حصانة المنصب، فليتذكر أولئك الذين ظنوا أنهم بأموالهم وجاههم خالدون، فإذا بهم يلقون حتفهم بين ليلة وضحاها. كم من مسؤول انتهت حياته في غياهب السجون بعد أن كان يظن نفسه فوق المساءلة؟ وكم من سياسي نسأل الله أن يرحمنا برحمته، توفي بـمرض خبيث ألمّ به وهو في قمة عزه، فلم تنقذه مستشفيات العالم ولا أمواله؟ وكم من آخر فاجأه الموت المفاجئ وهو على كرسيه، ليترك وراءه قصوراً لم يسكنها وثروات لم يستمتع بها، ويذهب إلى ربه وحيداً لا يحمل إلا عمله؟

إنها سنة الله في خلقه، يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. هؤلاء جميعاً كانوا يعلمون أن الموت آتٍ، وأن القبر هو المصير المحتوم الذي لا مفر منه، ولكنهم انخدعوا بسراب الدنيا.

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ” (المنافقون: 9)

في ذلك اليوم، لا ينفعك مال ولا بنون، ولا جاه ولا سلطان، إلا من أتى الله بقلب سليم. فهل فكّر هؤلاء للحظة وهم يبنون قصورهم وينسجون صفقاتهم أن تحت الأرض مصيراً ينتظرهم؟ وأن التراب سيأكل كل ما اكتنزوه؟

إلى كل من بيده قرار، أو يسعى للحصول على ثقة الناس: اتقوا الله في أنفسكم قبل العباد. إن المسؤولية أمام الله ثم أمام الناس عظيمة، وغداً سيُسأل كل منا عن أمانته. “وَعِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ” (الزمر: 31)، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا تجعلوا من الكراسي معارك شخصية، بل اجعلوها محطات بناء وإصلاح.

فمن اتخذ السياسة وظيفة للدنيا فقط، خسر الآخرة قبل أن يخسر الدنيا. ومن جعلها رسالة وخدمة، ربح الدنيا والآخرة، وبقي ذكره جميلاً حتى بعد رحيله.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى