
بقلم : سعيد العنزي تاشفين
** بين التخوف والخوف والتخويف والتهويل مساحات تحتاج إلى العقل :
– تقول حنة آرندت : ” أخطر ما في الشر ليس وحشيته ، بل تفاهته ٠٠ وحين يتوقف التفكير يحصل تهويل الشر ” ٠
– Said Olanzi Tachafine • Agora de réflexion .
ردود الفعل ، الإنفعال ، الإنطباع ، الحس ، الوجدان ، الميزاج ، الذهنية ، المخيال ، العاطفة ، غريزة الموت ، الإصطفاف ، الحشد ، التوافق ، النعرات ، التجييش ، التضليل ٠٠ هذه ، وغيرها كثير ، مفاهيم تعادي العقل وتحرض القلب ؛ وبالتالي يتم ، عبرها ، التأسيس للأوهام باعتبارها ” حقائق ” ، ثم عندما تخترق هذه ” الحقائق ” الميزاج العامة يحصل إطفاء طابع الهالة أولا ثم القدسية ثانيا ؛ وبذلك تتحول الأوهام إلى ” حقائق ” ، ثم تصبح الحقائق عقائد ، وهذا مناط التطرف وفق رهانات الهوس البسيكولوجي ٠
منذ انعقاد مؤتمر بال الأول حول الصهيونية عام 1897 ، ورغم الدعم اللامحدود من لدن إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية ، وحتى روسيا ٠ وبعده استصدار وعد بلفور عام 1917 المسنود من قبل القوى العظمى ، وهي مساندة استمرّت إلى لحظة إعلان الإنتداب البريطاني وبدعم سخي أنكلوساكسوني – فرنسي عام 1948 ٠ ما تزال إسرائيل تفتقد إلى المشروعية رغم امتلاكها الشرعية ، بمعنى أن شرعيتها من خلال الإعتراف بها من لدن الأمم المتحدة ، لم تبلغ درجة المشروعية التي تعني اعتراف المجتمع الدولي بها ، أي الوضعية الطبيعية مع الشعوب ٠ وعليه كيف يكون من البساطة التصريح أن المغرب مستهدف اسرائيليا !! لدرجة التبسيط البليد ومن دون تحليل عقلي راجح ٠
إن الخوف إحساس بشري طبيعي يعزى نفسيا إلى طبيعة البناء النفسي للإنسان ، وهو ما كان تاريخيا حيث طالما عبر الإنسان عن خوفه من مختلف الظواهر الغريبة طبيعيا ٠ لكن ثبت تاريخيا أن الخوف مفهوم يستثمر في ممارسة البروباغاندا كما حصل في محطات كبرى في تاريخ البشرية ، ذلك أن كثيرا من التجارب الإنسانية اصطدمت بحقائق لم تتم حلحلتها إلا بتوظيف الخوف قصد تحريض الحشود ودفعها إلى الإصطفاف خدمة لأجندات محددة ٠ معناه أن المسافة بين الخوف المشروع والخوف الموجه ضيقة جدا ؛ إذ كم من خوف مشروع أملته سياقات محددة تحول إلى خوف ممنهج يٌتفنن في تضخيمه في غرف خاصة لدفع الحشود إلى الإنخراط النفسي – العاطفي في اعتناق مواقف ضخمة من منطلق الخوف الذي يتحول إلى تخويف خدمة لرهانات موجهة ٠
فهل الأمور عبثية إلى الحد الذي يحصل تنويم العقل وتحريض العاطفة قصد التماهي مع انفعالات سيكولوجية بخلفية أيديولوجية تمارس مزايدات صاخبة بخلفية سياسية عبر ركوب صهوة الميزاج الشعبي لبناء التوافقات حول وهم الخطر المحدق ب ” الأمة ” ٠ كيف يمكن مثلا تضخيم التخوف من خطر محدق ، والأمم المتحدة بجلال قدرها خاضعة لتوازنات القوى الدولية العظمى بقيادة أمريكا نفسها حليفة إسرائيل العضوية ، بما قد يفرض قرارات أممية خطيرة ضد المغرب لو كان الهدف زعزعة استقرار المغرب هذا !! وعليه فالإنتقال من الخوف الطبيعي ، إلى التخويف الممنهج ، نحو المخاوف المتعددة بخلفية الخطر المحدق بالمغرب ، في اتجاه تديين الخوف ومنحه هالة عقائدية ؛ يؤكد الإنتقال من ساحة التحليل السياسي الدقيق نحو دائرة الإيمان والعقيدة الموجّهين لأهداف إيديولوجية بفحوى لا يخلو من حس ديماغوجي سطحي ٠
إذا كان المغرب الرسمي ” منهزما ” أمام هذا ” الغزو الصهيوني ” الذي يريد الإستحواذ على المغرب !! مقابل هذه ” الشجاعة ” الشعبية بزعامة قبيلة ” الممانعة ” التي تحتج بكل حرية أمام القوات العمومية وفي الساحات العمومية ، فمن يا ترى يحمي دعاة رفض ما يسمى التطبيع حتى لا يتعرضوا للإضطهاد أو الإنتقام من طرف هذا ” التسلل ” الإسرائيلي نحو المغرب !! وهل يمكن لمغرب ضعيف !! أن يسمح بخروج الإحتجاجات ضد الغطرسة الإسرائيلية في عاصمته الرباط منذ السابع من أكتوبر ، وهي احتجاجات لم تخرج مثيلتها في دول تدعي رفض التطبيع كما هو الحال مع الجزائر وتونس وجنوب إفريقيا وغيرها !! هل المغرب وحده من ” طبّع ” مع إسرائيل حتى يكون الخوف عقائديا بهذا الحد الذي يوشك على الدعوة إلى تلاوة اللطيف !! وغير بعيد منا شمال البحر المتوسط توجد تركيا التي يسيرها ” الحزب الإسلامي ” ، وبينها وبين تل أبيب معاهدات عسكرية ضخمة وتبادلات تجارية فوق العادة ؛ هذا علاوة على تواجد قاعدة عسكرية خاصة !! والوضع هذا لا يختلف عن علاقات مصر بإسرائيل وبدول إفريقية عدة ٠ فلماذا المغرب في فوهة بركان من النقد الناسف من لدن الرافضة الذين يزايدون على المغرب الرسمي من مدخل ما يسمى التطبيع ، وكأن هذا المغرب الرسمي في سبات عميق !! في حين أن هذا المغرب يصنف في مقدمة دول العالم الإسلامي من حيث القوة الأمنية والإستعلاماتية ٠
ختاما ، يجوز تفهم حالة الخوف التي هي حالة بشرية طبيعية ، وهذا أمر فطري إنساني ٠ لكن لا يجوز إطلاق عنان الخوف لدرجة صناعة التهويل الممنهج بما يقدم المغرب الرسمي بصورة لا تليق ، ذلك أن المغرب في سياقات سابقة وقف صامدا من أجل صحرائه المقدسة ، وخاض الحروب غير مبال بهول الدعم السوفياتي – الكوبي – المصري – السوري – الليبي – الجزائري ٠٠ للطغمة الإنفصالية بتندوف ٠ المغرب وقف بشموخ ضد بان كي مون في سياق كانت المسودة الأمريكية حينها لصياغة قرار مجلس الأمن الدولي ضد المغرب ، فخرج المغاربة عن بكرة أبيهم يصرخون في مسيرات ضخمة ضد التآمر الأمريكي – الأممي ٠ لقد قدم المغرب الشهداء بلا تردد دفاعا عن قضاياه القومية عقودا قبل توقيع اتفاقية آبراهام ، ودخل في مواجهات قوية ضد الإيليزي برئاسة ماكرون ، وضد ألمانيا صاحبة ” فوربدن سطوريز ” ، وضد السويد وضد إسبانيا ، وغيرها من مستويات المواجهة بشجاعة دفاعا عن مصالح المغرب وفي مقدمتها وحدته الترابية ٠ لقد كان المغرب السباق إلى دعم فلسطين وتمويل بيت مال القدس بوضوح ، ولم يمنع الرافضة من الخروج في احتجاجات ضد الصهيونية ٠٠ كل هذا لبناء قناعة واحدة ووحيدة هي أن الدفاع عن قضايا المغرب القومية هي ما يفرض بناء تكتيكات متجددة بما فيها اتفاقية آبراهام قصد استعجال حلحلة ملف الوحدة الترابية للمملكة ٠ وفي نفس السياق يندرج التوافق المغربي مع إدارة ترامب لعل فك مخيمات المحتجزين يتحقق بعد نصف قرن من الإبتزاز والعدوان والإستنزاف ٠
وأنتهي بالقول ، بين التخوف الطبيعي والتخويف الممنهج مساحات تلعب فيها الأيديولوجيا شر لعب ، وبين اليقظة والتهويل مسافات شاسعة تصبح ضيقة بسرعة أدلجة المسير ٠ وهكذا يحق التخوف بهدوء سعيا للفهم ، لكن لا يليق التهويل سيكولوجيا تحت درائع إرباك الخصم الذي ليس غير مصالح المغرب العليا من زاوية الإدارة الرسمية للعلاقات مع محور واشنطن – تل أبيب سعيا إلى صون الوحدة الترابية للمغرب ٠






