بين الحرية و الإنضباط

    تطفو بين الفينة و الأخرى مجموعة من الإنزلاقات من طرف مناضلي الأحزاب  الوطنية، و لعل أشدها خطورة كان حين تشبث السيد الوفا وزير التربية الوطنية آنذاك بالإحتفاظ بحقيبته الوزارية، رغم أن المجلس الوطني لحزب الميزان – أعلى سلطة تقريرية بعد المؤتمر – كان قد أصدر قرارا بالخروج من حكومة بنكيران سنة 2013، وما كان من الحزب إلا أن اتخذ في حقه قرار الطرد، لكن بالمقابل استجاب لقرار المجلس الوطني بقية الوزراء  ومنهم من كان ضد قرار الخروج من الحكومة. .

    ورفض مجموعة من نواب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية الخروج من البرلمان تطبيقا للقرار الذي أصدرته اللجنة الإدارية الوطنية لهذا الحزب بداية ثمانينيات القرن الماضي، الشيء الذي أدى إلى الإحتقان داخل الحزب، و انفصال مجموعة من مناضليه و تأسيس حزب جديد .

    فمن حق أي مناضل أن يتخذ الموقف الذي يتماشى مع أفكاره و مصالحه، لكن رأي الأغلبية يلزم الجميع، وهنا لا زلت أتذكر أن حين قال الفيلسوف المغربي الراحل عابد الجابري، و هو يؤطر تجمعا حزبيا بمدينة البيضاء، بأنه لم يكن مع مشاركة الإتحاد الإشتراكي في الحكومة، لكن قرار الأغلبية الذي عبر عنه المجلس الوطني للحزب يلزمه وهو ما جعله يدافع عن القرار الحزبي داخل التجمعات.

    إذن الحرية للمناضل الحزبي وقت المناقشة و قبل اتخاذ القرار، لكن بعد هذا فالإنضباط يصبح واجبا … فالمبادئ العامة لأي حزب تبقى ملزمة لجميع أتباعه بمن فيهم  الجدد، و القرارات السابقة التي اتخذتها الأجهزة الحزبية ملزمة دون أن تكون لديهم وجهة نظر في هذه القرارات، تلزمهم لكونهم صادقوا بعد الإنخراط على التوجهات العامة للحزب ..  

    الإنضباط هو كذلك انضباط للأنظمة الأساسية للأحزاب و للنقابات و أي منخرط كان قياديا أو عضوا عاديا يجب أن يمتثل لهذه الأنظمة، و أن أي زوغان يؤدي بصاحبه إلى المساءلة، و هذا ما جعل التنظيمات السياسية و النقابية تحدث من بين هياكلها لجنة التحكيم أو لجنة التأديب أو لجنة المصالحة للنظر في الحالات الشاردة و الشاذة قبل إصدار قرارات الطرد أو الإنذار.

    فمثلا، وفي إطار الإنضباط الحزبي، أفتى بعض قياديي الأحزاب الوطنية بضرورة التصويت لصالح قانون إصلاح التقاعد  بمجلس المستشارين، و برر موقفه بكون التصويت بالإيجاب سيجنب البلاد إحتقانا لكون صندوق التقاعد قد أفلس. فما كان من مستشاري حزبه إلا الإنصياع لقرار رئيسهم و تجنبوا حضور الجلسة، علما أنهم كانوا ضد المصادقة على قانون إصلاح التقاعد بالصيغة التي قدمتها الحكومة … فمن أفتى على رئيس الحزب هذه الفتوى ؟ و قرار المصادقة كان يجب أن يتخذ من طرف الأجهزة التقريرية لا من طرف الرئيس، فمن ينضبط لمن ؟ و هل الإنضباط ينبغي أن يكون لرأي الرئيس و حسب ؟ أم الإنضباط يكون لمصلحة الشغيلة ؟ أم يكون لمصلحة الكتلة الناخبة ؟

    حالة ثانية تحدث، لم ينضبط نائبان من حزب العدالة و التنمية في التصويت على القانون الإطار للتربية و التكوين، و الذي طرحته الحكومة، فهل نعتبر ما قام به النائبان خروجا عن الجماعة ؟ أم أن الجماعة هي التي لم تنضبط إلى مبادئها الأساسية و خصوصا فيما يتعلق بلغة التدريس ؟

    بالجماعات الترابية ينتظر رئيس الجماعة التصويت بالإيجاب على الحساب الإداري، لكن قد يقع التمرد بين الفينة و الأخرى، و المتمردون يرجعون موقفهم إلى كون الرئيس لم يشركهم في أي شيء، و أنهم يجهلون أي شيء عن الحساب، فلا هو أشركهم في طريقة الإعداد، و لا هو أشركهم في كيفية صرف الإعتمادات، و لا أشركهم في اجتماع حزبي لتبني المشروع و الدفاع عنه . 

    بالمقابل يكون رد الرئيس ضد التمرد، و يجب الثقة في شخصه حتى و إن كان خاطئا، و حتى تتجلى وحدة الفريق، فلو أن الرئيس أعلن عن عقد اجتماع حزبي يضم الهيئة الحزبية صاحبة المشورة و القرار و تم اعتماد قرار بالأغلبية لكان أي متمرد عن هذا القرار غير منضبط، و وجب في حقه العقوبة القاسية .

    الخلاصة هي أن أي تنظيم حزبي (محلي أو وطني) اتخذ قرارا بالأغلبية، أصبح القرار ملزما للجميع .

    و يجب أن ينضبط له الجميع، بل و من واجب الجميع الدفاع عنه، حتى و إن صوت ضد اعتماد القرار، لكن بالمقابل أن يتخذ ( بضم الياء ) قرار في المقهى أو في الصالونات من طرف نخبة مصلحية فالإنضباط غير ذي معنى، الإنضباط يكون للقرارات الصادرة عن هيآت الحزب و مؤسساته طبقا للأنظمة الأساسية و الداخلية، لا للقرارات الأحادية بداعي المصلحة  المغلفة .

عن محمد الحساني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“كورونا” لا يقضي على حلم “الحراكة”

  يراقب عبد الواحد عن كثب شاحنات نقل البضائع إلى أوروبا في محيط ميناء طنجة ...