بين الحكم والمحنة… محمد السنتوسي يخرج برسالة صامتة إلى أصدقاء السياسة الموسمية

لم تكن محاكمة المقاول محمد السنتوسي مجرد ملف قضائي عابر داخل أروقة المحكمة، بل تحولت في نظر كثيرين إلى لحظة إنسانية وسياسية كشفت وجوها كثيرة، وأسقطت أقنعة ظلت لسنوات تختبئ خلف شعارات الصداقة والوفاء والمساندة.
فقد أصدرت المحكمة حكما يقضي بـستة أشهر حبسا نافذا، مع إمكانية الإستفادة من نظام العقوبات البديلة عبر أداء 540 ساعة من العمل لفائدة المصلحة العامة، في إطار التوجه الجديد الذي بات يعتمده القضاء المغربي، والقائم على تحقيق التوازن بين العقوبة والإدماج الإجتماعي.
لكن بعيدا عن منطوق الحكم وتفاصيله القانونية، فإن القضية فتحت بابا آخر أكثر عمقا… باب العلاقات الإنسانية التي تنهار عند أول إختبار حقيقي.
محمد السنتوسي ، الذي كان إلى وقت قريب محاطا بدائرة واسعة من “الأصدقاء” ووجوه أعتادت الظهور إلى جانبه في المناسبات واللقاءات، وجد نفسه فجأة محاطا بقلة من الأصدقاء حضروا للمحاكمة وخارج المحكمة في لحظة المحنة وهم في حالة لايعلمها إلا الله ، بعدما أختار كثيرون الإختفاء بصمت، ليس خوفا من الحقيقة، بل حفاظا على مصالح سياسية ضيقة وحسابات إنتخابية باردة لا تعترف إلا بمنطق الربح والخسارة.
وكأن الرجل أكتشف متأخرا أن بعض الصداقات في عالم السياسة تشبه المظلات الموسمية؛ تفتح فقط حين تكون السماء صافية، وتختفي عند أول عاصفة.
لقد كانت المحاكمة، بالنسبة لعدد من المتابعين، فرصة لقياس معدن المحيطين به، فظهر الفرق واضحا بين من يساند الأشخاص في الرخاء فقط، ومن يبقى إلى جانبهم حين تضيق الدوائر وتشتد الأزمات. فهناك من أختار الصمت المريب، وهناك من فضل الإبتعاد حتى لا “تتلوث صورته”، وكأن الوفاء أصبح تهمة في زمن الحسابات الإنتخابية الباردة.
ورغم قساوة المرحلة، فإن الرسالة التي خرجت من خلف هذه القضية تبدو أبلغ من كل التصريحات:
ليس السقوط الحقيقي أن يتابعك القضاء أو تواجه محنة، بل أن تكتشف أن بعض من كانوا يصفقون لك بالأمس لم يكونوا يرون فيك سوى سلما مؤقتا لمصالحهم.
وفي مقابل ذلك، يرى مهتمون بالشأن القانوني أن العقوبات البديلة، ومنها العمل لفائدة المصلحة العامة، تعكس تحولا مهما في فلسفة العدالة المغربية، حيث لم يعد الهدف فقط هو العقاب، بل أيضا إعادة الإدماج وربط المسؤولية بالمنفعة المجتمعية، خاصة في القضايا التي تسمح طبيعتها بذلك.
ويبقى ملف محمد السنتوسي واحدا من القضايا التي ستظل تثير النقاش، ليس فقط بسبب الحكم الصادر، ولكن أيضا لأنها كشفت كيف يمكن للمحنة أن تعري العلاقات، وتفضح أولئك الذين يرفعون شعار الصداقة ما دامت الكاميرات مفتوحة والمصالح قائمة.





