
زرت دولًا كثيرة عبر العالم، وعشت في بلدان تُصنف ضمن أعرق الديمقراطيات وأكثرها احترامًا لحقوق الإنسان، رأيت كيف تُدار الخلافات العقارية، وكيف تُنفذ مشاريع التنمية، وكيف تُطبق القوانين حتى في أصعب الظروف، لكنني لم أشاهد في أي مكان مشاهد الهدم القاسية التي تتكرر في وطني الأم المغرب، حيث يجد مواطنون أنفسهم بين عشية وضحاها أمام ركام منازلهم، دون مراعاة كافية لظروفهم الإنسانية والاجتماعية.
قد يكون للقانون مبرراته، وقد تكون للدولة مشاريعها وخططها العمرانية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يمكن أن تكون التنمية على حساب الإنسان؟ وهل يجوز أن يتحول المواطن إلى مجرد رقم أو عقبة ينبغي إزالتها من الطريق؟
إن الصور التي توثق لهدم منازل يسكنها أطفال ونساء ومسنون ومرضى ليست مجرد مشاهد عابرة، بل هي مؤشرات مقلقة على أزمة في طريقة التعاطي مع المواطن، فالدولة التي تحترم نفسها لا تكتفي بتطبيق القانون، بل تحرص على أن يتم ذلك في إطار يحفظ الكرامة الإنسانية ويصون الحقوق الأساسية للأفراد.
المؤلم أن كثيرًا من المتضررين لا يشعرون فقط بفقدان جدران وأحجار، بل بفقدان الإحساس بالأمان والانتماء، فالبيت ليس مجرد بناء إسمنتي، بل هو ذاكرة وأسرة واستقرار وحياة كاملة، وعندما يُهدم دون توفير بدائل عادلة وواضحة، فإن الضرر يتجاوز الخسارة المادية ليصبح جرحًا اجتماعيًا ونفسيًا عميقًا.
إن الحديث المتكرر عن دولة الحق والقانون يفقد الكثير من معناه عندما يشعر المواطن الضعيف بأن حقوقه لا تجد الحماية الكافية، وأن صوته لا يُسمع إلا بعد فوات الأوان، فالقوة الحقيقية للدولة لا تكمن في الجرافات ولا في قرارات الهدم، بل في قدرتها على تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد.
المغرب يستحق أفضل من هذه المشاهد، والمواطن المغربي يستحق أن يُعامل كشريك في الوطن، لا كعبء عليه، فالتنمية التي تُبنى على أنقاض كرامة الناس ليست تنمية حقيقية، والحداثة التي تتجاهل البعد الإنساني تبقى مشروعًا ناقصًا مهما كانت شعاراتها براقة.
إن كرامة المواطن يجب أن تكون خطًا أحمر لا يُمس، لأن الأوطان لا تُقاس بارتفاع بناياتها، بل بمقدار احترامها للإنسان الذي يعيش فيها.





