بين السندان والمطرقة

بقلم أبو أيوب
    سندان المناطق شرق الجدار الدفاعي المغربي بالصحراء وما تعرفه من متغيرات وتعمير ونقل إدارة، ومناورات عسكرية بالذخيرة الحية تقوم بها مليشيات البوليساريو تحت أعين وبصر قوات المينورسو من حين لأخر، ومطرقة المملكة الإسبانية من خلال اعتراضها المتكرر على المحاولات المغربية لترسيم حدود مياهها الإقليمية بالأقاليم الجنوبية، تعتبر الوجه الخفي للتأخير الحاصل في ترسيم هذه الحدود منذ التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار سنة 1991، إن لم نقل منذ سنة 75 تاريخ الإعلان عن اتفاقية مدريد والتي بموجبها انسحبت إسبانيا من الصحراء . 
    خمسة وأربعون سنة مضت لم يستطع خلالها المغرب من ترسيم مياهه الإقليمية بالصحراء، حيث بقيت هذه الحدود محصورة ضمن نطاق السعيدية على الأبيض المتوسط وحتى حدود جنوب مدينة سيدي إفني على المحيط الأطلسي بحسب المعترف به دوليا،   لماذا وكيف ؟ هذا ما سوف نستطلعه انطلاقا من تاريخ أول محاولة مغربية لترسيم حدود مياهه الإقليمية وفقا للاتفاقية الدولية للبحار . 
    سنة 2001، عرفت جزر الكناري اكتشافات مذهلة لثروة دفينة غير الغاز والنفط، هذا ما أكدته الشركة البريطانية ” أوروبا أويل أند غاز ” عن اكتشاف معدن نادر أطلق عليه إسم ” التيلوريوم ” بكميات خيالية قاربت 2670 مليون طن، حيث تم العثور عليه في جنوب غربي جزيرة الحديد الكنارية … منطقة تواجد المعدن الجديد جاء في نقطة تماس بين الحدود البحرية الكنارية والساحل المقابل من الصحراء الغربية المغربية . تشابه التضاريس توقع باحتمالية وجود المعدن و بكميات أكبر بكثير  من التي اكتشفت بالجانب الإسباني نظرا لشساعة الأراضي الصحراوية . 
    سنة 2007، شهدت توقيع المملكة المغربية على الإتفاقية الدولية لقانون البحار، وهي الاتفاقية التي يتم بموجبها تحديد المياه الإقليمية والمياه التجارية لكل الدول عبر العالم، فضلا عن تحديد المياه الدولية المسموح فيها بحرية الإبحار والحركة التجارية دون تقديم مستحقات العبور … وقد ضمنت الاتفاقية بندا ينص على مدة عشر سنوات ابتداء من تاريخ التوقيع عليها، للدول الراغبة في ترسيم حدودها البحرية وفق القانون الدولي للبحار، إذ يجب عليها تقديم طلب بهذا الصدد للأمم المتحدة للبث فيه .
    وبحكم أن الصحراء الغربية المغربية تعتبر بحسب المنظور الأممي منطقة نزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو لم يحسم بعد في أمرها، ولا زالت الأمم المتحدة تدرجها ضمن المناطق الغير متمتعة بحكم ذاتي ولم تستشر ساكنتها حول تقرير مصيرها، لم يكن بمقدور المغرب التقدم بطلب للمنظمة الأممية قصد ترسيم مياهه الإقليمية في الصحراء وآثر الإنتظار حتى تحين الفرصة . 
    سنة 2015، تقدمت الحكومة الإسبانية بطلب للأمم المتحدة قصد ترسيم مياهها الإقليمية بأرخبيل جزر الكناري، لضمان وتحصين ملكية الثروات المكتشفة، طلب اعتبره المغرب آنذاك محاولة استفزازية وابتزاز إسباني بامتياز، من منطلق عدم التشاور معه والتحاور قبل الإقدام على هذه الخطوة، إثره نددت الحكومة المغربية وشجبت الخطوة الإسبانية الأحادية ثم لجأت في الأخير لحلفائها من أجل تعطيل ولم لا إقبار الطلب الإسباني بالأمم المتحدة، وبالفعل وتحت تأثير الضغوط الصديقة قامت الأمم المتحدة بركن الطلب الإسباني فلم تقبل به ولم ترفضه مبقية الباب مواربا . 
    وفي خطوة تصعيدية على خلفية الموقف المغربي، فرناندو كلافيخو رئيس الحكومة المحلية بأرخبيل جزر الكناري الإسبانية، وفي إحدى خرجاته وتصريحاته لوسائل الإعلام، أرسل رسائل تحذير للمملكة المغربية من مغبة القيام بترسيم الحدود البحرية، تلتها مباشرة تصريحات وزير خارجية إسبانيا آنذاك السيد ألفونصو داستيس، الذي صرح في موقف عدائي  بأن المغرب يريد السيطرة على ثروات ليست من حقه السيطرة، في مسعى منه “المغرب” لضم المجالات البحرية لصالحه مضيفا بأن المملكة المغربية تقوم بانتهاك حقوق “الشعب الصحراوي” ونهب ثرواته . 
    تصريحات من الممكن اعتبارها تدخل ضمن المزايدات السياسية، لكنها في الواقع تشكل ضغوطا إضافية على الجانب المغربي في هذه الظرفية الحساسة، تنضاف لما تقوم به جبهة البوليساريو من أنشطة سواء في المناطق الواقعة شرق الجدار الدفاعي المغربي ” تيفاريتي/ بير لحلو/ عين بن تلي/ اغوينيت …” أو على مقربة من معبر الكركرات قرب الحدود الموريتانية . 
    لكن الأنكى من كل هذا هو التواجد العسكري لعساكر الخصم في المناطق المطلة على المحيط الأطلسي جنوب المعبر، فضلا عن المضايقات المتكررة في وجه انسياب الحركة التجارية المغربية نحو العمق الإفريقي، إضافة للمحاولات الجزائرية الموريتانية لتحييد معبر الكركرات لصالح معبر تندوف شوم الذي افتتح هذه السنة أمام الرواج والمبادلات التجارية الثنائية بين الجانبين، مبادلات تشمل عدة أنواع مختلفة من الصناعات الغذائية والمنتجات المصنعة جزائريا ” برادات/ آلات غسيل كهربائية / سيارات مصنعة محليا …”. 
    بعض المحللين المتتبعين لشؤون منطقة شمال غرب إفريقيا، يرون بأن مرد التأخير المغربي في ترسيم حدود مياهه الإقليمية بالصحراء، راجع بالأساس من جهة إلى الضغوط الإسبانية الدولة المستعمرة للإقليم سابقا، ثم إلى الأمم المتحدة التي لم تحدد بعد لمن ستؤول له  السيادة على الإقليم المتنازع عليه من جهة ثانية، أما من جهة ثالثة هناك المنازع الذي يسابق الزمن من أجل فرض الأمر الواقع بالمناطق التي يسيطر عليها ” تدعيم قدراته الإدارية/ العسكرية/ البنى التحتية/ إصدار تصاريح التنقيب على المعادن …”، ما يعتبر إجمالا كونها محاولات لترسيخ دعائم و مرتكزات الدولة المعلنة من جانب واحد . 
    التراجع المغربي عن ترسيم الحدود البحرية بالصحراء ولو مؤقتا قد يفسر موقف ضعف وليس حكمة أو نبلا على الإطلاق، فإما أن نكون أقوياء صارمين غير متخاذلين، وإما فمصيرنا سيكون بين فكي كماشة أي بما معناه بين السندان والمطرقة، فأيهما نختار بين هذا وذاك والإنتحار ؟

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إتفاقية شغل جماعية بين شركة “ليوني –عين السبع” بالدارالبيضاء والإتحاد العام للشغالين بالمغرب

أثر إيجابي على المناخ الإجتماعي بالعاصمة الإقتصادية     تم يوم الثلاثاء بالدار البيضاء توقيع ...