بين القانون وتصفية الحسابات … من يحاول جر أزمور إلى معارك جانبية؟

مدينة أزمور، لم تعد بعض الوقائع تقرأ كما هي، بل كما يراد لها أن تفهم. حادثة الإصطدام الأخيرة بين مقاول يحمل صفة مستشار جماعي ورئيسة الملحقة الإدارية الأولى، ليست مجرد لحظة توتر عابرة، كما يحاول البعض تسويقها، بل مرآة تعكس إختلالا أعمق في طريقة تدبير الخلافات، وربما أيضا في نوايا بعض الأطراف التي تتغذى على تأجيج الأزمات.
ما وقع، في جوهره، لا يحتاج إلى تهويل ولا إلى تبييض. نعم، كانت هناك لحظة إنفعال، وربما سوء تقدير، لكن الأخطر ليس في الحادثة نفسها، بل في الطريقة التي سارع بها البعض إلى إستثمارها سياسيا ، وكأن المدينة كانت تنتظر شرارة لتشتعل فيها حسابات ضيقة لا علاقة لها لا بالقانون ولا بالمصلحة العامة.
رئيسة الملحقة الإدارية كانت تقوم بواجبها، هذا أمر لا جدال فيه. لكن ممارسة السلطة لا تعني فقط تطبيق النصوص، بل تتطلب أيضا حسا ميدانيا يوازن بين الصرامة والمرونة. فالقانون، حين ينزل بلا تقدير للسياق، قد يتحول من أداة تنظيم إلى مصدر إحتكاك.
في المقابل، لا يمكن إعفاء المقاول – وهو منتخب قبل كل شيء – من مسؤوليته الأخلاقية والسياسية. فالموقع الذي يشغله يفرض عليه أن يكون أول من يحتكم إلى المؤسسات، لا أن ينجر إلى مواجهات ميدانية. وإذا كان مشروعه قانونيا، فالمساطر الإدارية كفيلة بحمايته، دون الحاجة إلى رفع منسوب التوتر.
لكن، لنكن واضحين: ما يثير القلق حقا هو دخول بعض “الوسطاء الخفيين” على الخط، ممن لا يهمهم لا القانون ولا النظام، بقدر ما يهمهم تصفية حسابات سياسية، حتى لو كان الثمن هو جر المدينة إلى صراعات مفتعلة. هؤلاء لا يبحثون عن الحل، بل عن “الفرصة”… فرصة لتوريط هذا أو إضعاف ذاك، خدمة لأجندات لا تقال في العلن.
إن العلاقة بين السلطة المحلية والمنتخبين ليست ساحة صراع، بل يفترض أن تكون فضاءا للتكامل. غير أن ما يحدث أحيانا يكشف أن البعض لا يزال يشتغل بعقلية “الغلبة” بدل “الشراكة”، وهو ما يفرغ العمل المحلي من جوهره، ويجعل المواطن أول ضحايا هذا العبث.
أزمور اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من التوتر، بل إلى نخب تتحمل مسؤوليتها كاملة، وتفصل بين الخلاف السياسي وتدبير الشأن العام. فالمدينة التي تنتظر مشاريع حقيقية وتنمية ملموسة، لا يمكن أن تظل رهينة مزايدات وصراعات تدار في الظل.
الحادثة يجب أن تكون درسا، لا وقودا لمعركة جديدة. وعلى الجميع أن يدرك أن اللعب على حافة التوتر قد يحرق أصابع الجميع… أما أزمور، فهي أكبر من أن تختزل في نزاع عابر أو تستعمل كورقة في لعبة لا تخدم إلا أصحابها.





