فضاء الجمعيات

بين القانون وروح التطوع: عندما يُساء فهم صفة “المستفيد الحقيقي” في العمل الجمعوي

  • الجمعيات في المغرب: استقلالية قانونية في مواجهة خلط إداري خطير
  • من يخدم من؟ الجمعية كفضاء للصالح العام لا كأداة ملكية
  • الدفاع عن هوية الجمعية: رفض تحويل العمل التطوعي إلى مقاولة على الورق

تُعتبر الجمعية في جوهر القانون المغربي، واستناداً إلى ظهير 15 نونبر 1958 المنظم لحق تأسيس الجمعيات، شخصاً اعتبارياً مستقلاً بذاته وقائماً على مبدأ التعاون المستمر بين الأعضاء لغايات تسمو فوق منطق توزيع الأرباح أو المنفعة الشخصية، وهي بذلك كيان قانوني لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يؤول لملكية رئيسها أو أي عضو من أعضائها، فالرئيس في المنظومة الجمعوية المغربية ليس إلا مديراً وممثلاً قانونياً وإدارياً مؤقتاً، أُنيطت به أمانة تنفيذ مقررات الجمع العام والتوقيع باسم المؤسسة أمام السلطات والجهات الرسمية، وهو في ذلك “خادم” لأهداف الجمعية وليس مالكاً لأصولها، حيث أن صوته في اتخاذ القرار لا يتجاوز وزن أي عضو آخر داخل الهيئة التداولية.

ومن هذا المنطلق القانوني الصرف، يبرز إشكال إداري معاصر يتعلق بمطالبة رؤساء الجمعيات بالتصريح بأنفسهم كـ “مستفيدين حقيقيين” (Le Bénéficiaire Effectif) في بعض الاستمارات الإدارية والبنكية، وهو إجراء ينم عن خلط جسيم بين طبيعة الشركات التجارية والجمعيات غير الربحية، فبينما يُعد تحديد المستفيد الحقيقي في الشركات ضرورة للشفافية المالية ومعرفة من يملك السيطرة الاقتصادية ويجني الأرباح، فإن “المستفيد الحقيقي” في العمل الجمعوي هو المجتمع أو الفئات الهشة والمستهدفة بالأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية، وإن إجبار رئيس الجمعية على توقيع صفة “المستفيد” يُعد مخالفة صريحة لروح القانون ولعقد التأسيس، إذ يوحي بأن الجمعية أداة لمصلحة شخصية أو إثراء فردي، وهو ما قد يُكيّف قانونياً على أنه إساءة استعمال للصفة أو حتى تصريح كاذب يضع المسير المتطوع تحت طائلة المساءلة.

لذلك، ومن أجل صيانة حرمة العمل التطوعي وتحصين المكتسبات الديمقراطية للمجتمع المدني، أصبح من الضروري توحيد الأصوات لمطالبة السلطات العمومية والمؤسسات الوصية بتصحيح هذا المسار الإجرائي عبر اعتماد نماذج واستمارات تتوافق والطبيعة القانونية للجمعيات كإطارات غير ربحية، فنحن كفاعلين جمعويين لا نخشى الشفافية ولا نتحفظ على التصريح بمصادر الأموال وأوجه صرفها في مشاريع تنموية تخدم الوطن والمواطن، بل نرفض الانسياق وراء تصنيفات تقنية خاطئة تفرغ الجمعية من محتواها النبيل وتحولها في الأوراق الإدارية إلى مقاولة خاصة، مؤكدين أن حماية استقلالية الجمعية وصحة مركزها القانوني هما السبيل الوحيد لضمان استمرارية العطاء والوفاء بالالتزامات الأخلاقية والوطنية تجاه الأجيال الناشئة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى