بين الواقع والبيان: مفارقة الدعوة إلى عزل إسرائيل والتشبث بمسار التطبيع

بين الواقع والبيان:
مفارقة الدعوة إلى عزل إسرائيل والتشبث بمسار التطبيع
في الدوحة، 15 سبتمبر 2025، حُرّر البيان.
حيث اجتمع القادة العرب والمسلمون، على إثر عدوان إسرائيلي غادر على قطر.
خرج البيان ناريا مندّدا مهدّدا، حتى وصل الى درجة المطالبة بتجميد عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة.
كلمات البيان ذات قوة وصلابة، ذاك ظاهر أمرها، غير أن حقيقة سرّها سرعان ما تتعرى أمام الملأ فيدركها الجميع: بعض الموقّعين على البيان أنفسِهم، يفتحون أبواب عواصم بلدانهم للاحتفاء بالوفود الإسرائيلية، ويعقدون معهم الصفقات التجاربة، ويحتفلون بالتطبيع إنجازا سياسيا، بل يمنحونهم الجوازات الدبلوماسية..
لو تجسّدت الازدواجية الفادحة في شكل فلن تكون أبلغ من هذا الحال.
ازدواجية، لم تعُد اليوم مجرّد تفصيل عَرَضي، بل أصبحت سمة ملازمة للواقع العربي–الإسلامي: فقد أراد البيان أن يُظهر وحدة الصف، لكن الواقع يفضح حقيقة الانقسام: محور يرفع شعارات التصعيد القانوني والدبلوماسي ضد إسرائيل، وآخر غارق معها حتى أذنيه في شراكة عضوية أبدية، وصلت به لدرجة مد الكيان بالوقود والمعدات الحربية والمواد الغذائية، لا وبل النيابة عنه في التصدي لأي جسم هجومي موجه له عبر الاجواء الوطنية.
وما النتيجة إلا استمرار الحال على هذا المحال، تحت غطاء خطاب عاطفي موجّه لجماهير فقدت كل مصداقية في أي بيان صادر عن أي قمة، منذ دورة الخرطوم حزيران.. وكأن تلك الجماهير، وهي تتابع تتالي كلمات الزعماء تقول لهم: “ولقد علمنا المخلصين منكم ولقد علمنا المطبعين.”
أما والحال هاته، فلمن يا ترى قد وُجّه ذلك البيان؟
“الابادة” و”العدوان” و”الاحتلال”…اللغة نفسها تكشف في كل مرة ذات اللعبة: مفردات مسكوكة جاهزة، قبل اي قمة بل قبل أي نكبة.. كلها فقدت القدرة التجميلية للواقع أمام الرأي العام..
وكأن لغة العهن المنفوش التي لا يقابلها صرف ولا عدل، لا تكفي، حتى ترافقها، في المقابل، عبارات رخوة، من قبيل: “النظر في” و”التنسيق لأجل” و”الدعوة إلى”.. وكأنهم بها قوارب نجاة احتياطية لإزالة أي “سوء فهم” من كفلائهم السياسيين، ولتترك الباب مواربا للتراجع والالتفاف، في حال أبدى بعضهم أي انزعاج، أو طالب أحدهم بالتحوّل لأي وجهة.
أما إسرائيل، فهي بالتأكيد تقرأ هذه البيانات كمن يقرأ صحيفة قديمة سبق أن قرأها من قبل، وكأنها تقول لهم: “هذا الكلام (Déjà vu)، والبيان ما ترونه مني لا ما أقرؤه منكم.”
وأمّا من يظن نفسه المستفيد الأكبر من هذه الازدواجية كلها، فهي تلك القيادات التي اختارت ان تحضر القمم، بعد أن رتبّت أوراقها في الغرف: تُدين بلسانها جهرا، وتَدين بعلاقاتها سرّا، ترجو من أسيادها الأمان لعروشها، وتتخذ من بيانها الغطاء لعوراتها.
وعند المقارنة تبدو المأساة أفظع: فمع تجربة جنوب أفريقيا في زمن الأبارتايد، تظهر الفجوة صارخة: هناك، انسجم الخطاب مع الفعل: عزل سياسي، ومقاطعة اقتصادية، حتى سقط النظام العنصري. أما هنا، فنفاق سياسي، وتطبيع اقتصادي، فهل يرتجى بعد ذلك سقوط أي كيان؟
بل بالعكس تماما، فالتمادي منذ زمان في هذه الازدواجية هو بالذات ما حوّل إسرائيل من دولة معزولة في محيطها، إلى قوة متنفذة في كل جوارها، فقد أحسنت توظيف الهوة بين الأقوال المعلنة والأفعال المضمرة.
حقيقة إن تكريس هذا الواقع، لا يعني غير أمر واحد: ذروة سنام أزمة شرعية شاملة: إذ لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت هذه البيانات ستُترجم إلى فعل – فقد أثبت الزمن عقمها – بل السؤال في هذه اللحظة هو: إلى متى سيظل هؤلاء يمارسون ذات اللعبة ويتوقعون استمرار ذات النتيجة؟
خاصة وأن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى كثير جهد لتدافع عن نفسها؛ يكفيها أن تشير إلى ازدواجية خصومها، أو من يدّعون خصومتها. وهكذا، بدل أن يُحرج البيان إسرائيل، صار يحرج الواقع من وقّعوه.
والأدهى من ذلك والأمرّ، أن كثيرا ممن يختمون على تلك البيانات لم يعودوا يشعرون حتى بتناقضهم وهم يفعلون.
وعلى عكس ما يظن الكثير، فالتاريخ لا يعيد أبدا نفسه، فما يُقال في القاعات المغلقة، لا يحجب ما يتغيّر في الشوارع المفتوحة. وإذا ظلّت الهوة بين البيان والواقع باقية وتتوسع، فقد يأتي يوم لا تُكتب فيه البيانات لترضية الجماهير، بل ربما عقدت جماهير الأمة في الدورة القادمة قمتها، لتكتب بنفسها، بيانها الأول.
#أبو_السنوار_الطوفاني




