
في كل موسم ديني، تعلن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عن تسجيل مخالفات في بعض المساجد: إمام أخطأ في هيئة صلاة، خطيب لم يلتزم بتوجيه، مسجد لم يُقرأ فيه الحزب الراتب. تتحرك لجان المراقبة بسرعة، تُرفع التقارير، وتُتخذ الإجراءات.
لا أحد يعترض على ضبط الشأن الديني واحترام النظام داخل بيوت الله. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا نرى هذه الصرامة حين يتعلق الأمر بشكل الصلاة، ولا نرى الحزم نفسه حين يتعلق الأمر بأكل أموال الناس بالباطل؟ لماذا تُشهر آليات المراقبة في وجه إمام بسيط، بينما تعجز الحكومات المتعاقبة عن مواجهة لوبيات المحروقات والعقار والأدوية والمواد الاستهلاكية؟
الدين ليس طقوساً معزولة عن العدل
القرآن الكريم واضح في ترتيب الأولويات. يقول الله تعالى:
“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ” (النحل: 90).
ويقول أيضاً:
“وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ” (المطففين: 1).
فكيف نقبل أن تُشدد الرقابة على تفاصيل جزئية، بينما تُترك أسواق كاملة تحت رحمة الاحتكار والمضاربة؟
أليس الظلم في الأسعار، واحتكار الدواء، ورفع كلفة العلاج على الفقير، من أعظم صور “التطفيف” المعاصر؟
رسول الله ﷺ قال:
“من غش فليس منا” (رواه مسلم).
فأين نحن من هذا الحديث حين تُباع السلع بأضعاف ثمنها الحقيقي؟ وحين يُثقل كاهل المواطن البسيط بفواتير لا ترحم؟
الأحزاب بين الشعارات والواقع
منذ عقود، تتناوب الأحزاب على تدبير الشأن العام. شعارات براقة: العدالة الاجتماعية، محاربة الفساد، ربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن حين تصل إلى مواقع القرار، تتبخر الوعود.
الأحزاب التي كانت تملأ الساحات بخطابات “محاربة الريع”، صارت اليوم جزءاً من معادلة التوازنات والمصالح. والنقابات التي يفترض أن تدافع عن القدرة الشرائية، صارت تفاوض على الفتات. والجمعيات التي وُلدت من رحم النضال، تحولت عند بعض قياداتها إلى مشاريع تمويل موسمي.
أما الإعلام، الذي من المفترض أن يكون سلطة رابعة، فقد انشغل في كثير من الأحيان بصناعة التفاهة، أو بتلميع صورة الفاعل السياسي، بدل فتح ملفات الاحتكار والفساد بجرأة واستقلالية.
ازدواجية المعايير
حين يُخطئ إمام في قراءة الحزب الراتب، تتحرك الإدارة.
لكن حين ترتفع أسعار المحروقات بشكل يرهق ملايين الأسر، يقال لنا إن “السوق حرة”.
وحين ترتفع أسعار الأدوية، يقال إن “الكلفة الدولية ارتفعت”.
وحين يقف المواطن أمام مصحة خاصة عاجزاً عن دفع فاتورة العلاج، لا نجد لجنة تفتيش بنفس الحزم الذي يُمارس داخل المساجد.
أي رسالة تُبعث للمجتمع؟
أن شكل العبادة أولى من جوهر العدل؟
أن الانضباط في الطقوس أهم من حماية كرامة الإنسان؟
الإصلاح الحقيقي
الإصلاح الديني لا ينفصل عن الإصلاح السياسي والاقتصادي.
الدولة التي تحرص على توحيد خطبة الجمعة، مطالَبة أيضاً بتوحيد المعايير في محاربة الظلم، أياً كان مصدره.
القرآن لم يكتفِ بالأمر بالصلاة، بل قرنها بالزكاة، وبالعدل، وبالنهي عن أكل أموال الناس بالباطل.
قال تعالى:
“وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ” (البقرة: 188).
فهل يكفي أن نصحح صفوف المصلين، بينما صفوف الفساد ما زالت مستقيمة ومتماسكة؟
كلمة أخيرة
المغاربة شعب متدين بطبعه، يحترم إمامه ومسجده، لكنه يريد أيضاً عدلاً في السوق، وكرامة في المستشفى، وإنصافاً في الإدارة.
ليس المطلوب إضعاف الرقابة على الشأن الديني، بل المطلوب توسيع معنى الرقابة ليشمل كل من يعبث بقوت الناس وحقوقهم.
فالدين الذي يُراقب فيه الإمام، يجب أن يُراقب فيه كذلك المحتكر، والمضارب، وكل من استغل منصبه أو ماله لابتلاع حق الضعفاء.
وحين يصبح العدل أولوية حقيقية، سيتحقق معنى الآية كاملة:
“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ” — لا في المسجد فقط، بل في السوق، وفي البرلمان، وفي الحكومة، وفي كل موقع مسؤولية.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى
عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي





