بين حرية المعتقد وهيبة الفضاء العام: عندما تتحول الحقوق إلى اختبار للحدود


ما جرى عند سور باب دكالة في مراكش لم يكن حادثة عابرة تُنسى، بل كان مشهداً مكثفاً كشف هشاشة الخط الفاصل بين الحرية والانفلات. لحظة واحدة كانت كافية لتفجير سؤال ثقيل : هل نحن بصدد ممارسة حق مشروع، أم أمام سلوك يتعمد اختبار صبر المجتمع وحدود تسامحه ؟
القضية ليست، كما يحاول البعض تبسيطها، مجرد تعبير عن حرية معتقد. هذا طرح ساذج يختزل واقعاً أكثر تعقيداً. لأن الحرية، حين تُنتزع من سياقها وتُمارس بلا إدراك لخصوصية الفضاء العام، لا تعود حرية بريئة، بل تتحول إلى فعل مستفز يحمل في طياته نوعاً من الفرض الرمزي .
الفضاء العمومي ليس صفحة بيضاء يُكتب عليها كل شيء بلا ضوابط. هو ملك مشترك تحكمه قواعد دقيقة، غير مكتوبة أحياناً، لكنها راسخة في وعي المجتمع. وعندما تُكسر هذه القواعد تحت غطاء “الحقوق الفردية”، فإننا لا نُوسّع هامش الحرية، بل نفتح الباب لفوضى ناعمة تتسلل بهدوء حتى تستقر كأمر واقع .
ردود الفعل الغاضبة لم تكن انفعالاً عابراً، بل تعبيراً عن إحساس عميق بوجود تجاوز. وفي المقابل، فإن الأصوات المدافعة عن الحريات ليست كلها مخطئة. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في هذا الاصطفاف الحاد الذي يقتل النقاش بدل أن يغذّيه. بين من يرفض مطلقاً ومن يبرر بلا شروط، تضيع الحقيقة .
الحقيقة الصعبة التي يجب قولها بوضوح: ليس كل ما يسمح به القانون يُمارس دون تقدير للعواقب، وليس كل حق يُرفع كشعار يُمارس بلا مسؤولية. هناك فرق جوهري بين الحرية الواعية والحرية المستفزة .
المغرب لم يبنِ توازنه عبر الصدفة، بل عبر معادلة دقيقة: انفتاح محسوب، واحترام صارم لثوابت الفضاء العام. هذا التوازن ليس هشاً، لكنه أيضاً ليس بلا حدود. وأي محاولة لاختباره بشكل متكرر هي لعب بالنار، مهما تجمّلت بشعارات براقة .
المطلوب اليوم ليس مجاملة لغوية ولا خطابات رمادية. المطلوب موقف واضح لا يترك مجالاً للالتباس: حرية المعتقد حق لا يُمس، لكن ممارسته ليست فوق النظام العام. والفضاء العمومي ليس منصة لإثبات الحضور أو استعراض الاختلاف .
التهاون في هذا الميزان ليس تسامحاً، بل تقصير. لأنه يراكم توتراً صامتاً، ينمو في الظل، حتى ينفجر في لحظة لا يمكن التحكم فيها .
الرهان الحقيقي ليس في توسيع الحرية بلا سقف، ولا في خنقها بدعوى الحماية، بل في تأطيرها بوعي صارم وقانون يُطبّق بلا تردد. لأن الحرية التي لا تُضبط … تتحول بسرعة من قيمة إلى فوضى، ومن حق إلى تهديد.





