24 ساعةأخبار إقليم الجديدةأخبار إقليم سيدي بنورأخبار الدار البيضاءأخبار وطنيةالواجهةحقوق الإنسانشباب

بين زخم المواسم والمهرجانات ورسائل “الهجرة إلى سبتة”: هل نعيش في مغربين؟

​في غمرة المتابعة الصحفية للواقع اليومي، تفرض عليك بعض المشاهد الميدانية التوقف والتأمل العميق. بحكم إقامتي في مركز موسم مولاي عبد الله أمغار بإقليم الجديدة، شهدتُ عن قرب كيف انقلبت الأجواء بين عشية وضحاها؛ فمع مساء يوم الجمعة 31 يوليوز الجاري، تقاطرت مئات العائلات، وتدفق آلاف الزوار، ونُصبت مئات الخيام في منظر مهيب يعكس حجم الإقبال والزخم.

​هذا المشهد في مولاي عبد الله ليس حالة استثنائية، بل هو نموذج مصغر لما تشهده مختلف مدن وجماعات المملكة خلال فصل الصيف؛ من مهرجانات غنائية حاشدة، وسهرات فنية شاطئية، ومواسم للتبوريدة والاحتفالات التي تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل. مشاهد تعج بالنشاط والحيوية والحشود التي تملأ الفضاءات عن آخرها.

​لكن في المقابل، وعلى منصات التواصل وبعض وسائل الإعلام، تصدمك صور ومقاطع من نوع آخر: شباب يرمون بأنفسهم في البحر، ونزوح جماعي نحو الشمال حلمًا بالعبور إلى الضفة الأخرى، تحت شعارات يائسة تردّد: “المغرب ما فيه والو…”.

​هنا يطرح السؤال الصحفي نفسه بحدة ومرارة: كيف يجتمع هذا التناقض الصارخ في رقعة جغرافية واحدة؟ وهل نعيش بالفعل في مجتمع واحد أم في عالمين منفصلين؟

​هل هؤلاء الذين يملؤون ساحات المهرجانات والمواسم من طنجة إلى الكويرة، ناشطين وفرحين، هم غير أولئك الذين يخاطرون بحياتهم للهروب؟ أم أن الشارع المغربي يعيش حالة من الانفصام بين البحث عن لحظة فرح واستمتاع تُنسيه ضغوط الحياة، وبين أزمة آفاق حقيقية تواجه فئات من الشباب؟

​فالشارع والمهتمون في تفسير هذه المفارقة ينقسمون إلى وجهتي نظر :

​الرأي الأول : يرى أن صور الرفض واليأس المروج لها مجرد مبالغات وتضخيم على شبكات التواصل، وأن تدفق الملايين على المواسم والمهرجانات دليل قاطع على أن الشعب المغربي يعشق الحياة، ويتشبث بأرضه، وأن عجلة الاقتصاد والرواج الاجتماعي مستمرة.

​الرأي الثاني : يعتبر أن الاحتفالات الحاشدة لا تنفي وجود الأزمة، بل قد تكون مجرد “متنفس مؤقت” وفرار من واقع اجتماعي واقتصادي ضاغط، حيث يفرغ الشباب شحنته وتوتره في الفضاءات العامة المجانية، بينما يترقب أول فرصة للعبور عند انسداد الأفق.

​إنها مفارقة مجتمعية عميقة تضع الجميع أمام تساؤلات مشروعة: هل المشكلة في انعدام الفرص أم في طغيان اليأس؟ وهل هذه المواسم والمهرجانات تعكس رفاهية وازدهاراً حقيقياً، أم أنها مجرد مسكنات لأزمات غائرة؟

​المفارقة قائمة، والواقع يظهر أن المغرب يعيش حركيتين متوازيتين: حركية تُقبل على الحياة والبهجة بما هو متاح، وحركية يائسة تبحث عن الخلاص خارج الحدود… وبين المشهدين يبقى النقاش مفتوحاً.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى