بين طمأنينة الأرقام الرسمية وواقع الأسواق الكارثي: أين اختفى أثر الأمطار وخيرات البلاد؟

بين الأرقام الرسمية التي تصدرها الجهات الحكومية والواقع المعيش الذي يقرأه المواطن اليومي في الأسواق وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تظهر فجوة عميقة تثير الكثير من التساؤلات والقلق. فبعد انتهاء عملية الإحصاء وإعلان الحكومة بلهجة تطمينية أن العرض يفوق الطلب، تفاجأ الشارع المغربي بواقع مغاير تماماً يتسم بـ “انعدام العرض” وارتفاع صاروخي في الأسعار يفوق القدرة الشرائية للمواطن البسيط، مما خلق حالة من التناقض الصارخ، خاصة وأن هذه الوضعية تأتي في سنة شهدت فيها البلاد تساقطات مطرية مهمة كان من المفترض أن تنعكس إيجاباً على وفرة المنتجات وأسعارها.
لتفكيك هذا اللغز وفهم كيف وصلنا إلى هذه المفارقة، يجب أولاً النظر إلى آليات “الإحصاء والتقدير” التي تعتمدها الجهات الرسمية. ففي كثير من الأحيان، تبنى الأرقام الحكومية على توقعات الإنتاج الإجمالي على الورق، أو بناءً على المخزون الوطني الخام دون مراعاة قنوات التوزيع واللوجستيك. هذا يعني أن “وفرة العرض” التي تتحدث عنها الحكومة قد تكون موجودة بالفعل في الضيعات الكبرى أو في الموانئ ومخازن كبار المستوردين، لكنها لا تصل إلى الأسواق الشعبية والمحلات التجارية بالكمية أو الثمن المناسبين، مما يجعل العرض “منعدماً” من وجهة نظر المستهلك النهائي الذي يبحث عن قفته اليومية.
يدخل على خط هذه الأزمة عامل حاسم يفسر هذا الارتفاع الخيالي في الأسعار، وهو منظومة الوساطة والمضاربة في الأسواق المغربية، أو ما يُعرف بـ “الشناقة”. إن جشع الوسطاء والمتدخلين المتعددين في سلاسل التوريد يلتهم أي أثر إيجابي للتساقطات المطرية أو الوفرة الإنتاجية؛ فالمنتج الفلاحي يباع من الضيعة بثمن بخس، ليمر عبر سلسلة من الوسطاء والمحتكرين الذين يرفعون ثمنه أضعافاً مضاعفة قبل أن يصل إلى المواطن. هذا الاحتكار والتحكم في تدفق السلع يخلق “ندرة مصطنعة” في الأسواق، بهدف الحفاظ على الأسعار المرتفعة وضمان أرباح خيالية على حساب جيوب المواطنين.
أما فيما يخص التساؤل المشروع حول غياب أثر الأمطار المهمة التي عرفتها البلاد، فإن الجواب يكمن في طبيعة الأزمات الهيكلية المتراكمة. فالأمطار، رغم أهميتها البالغة في إنقاذ الفرشة المائية وبعث الأمل في نفوس الفلاحين، لا تملك عصا سحرية لمحو مخلفات سنوات متتالية من الجفاف الحاد والإجهاد المائي التي أنهكت القطيع الفلاحي ودمرت مدخرات صغار الفلاحين. بالإضافة إلى ذلك، فإن كلفة الإنتاج الفلاحي نفسها شهدت ارتفاعاً عالمياً ومحلياً شمل البذور، الأسمدة، المحروقات، والأعلاف، مما جعل كلفة المنتج النهائي مرتفعة حتى مع توفر المياه، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن التي باتت عاجزة عن مواكبة هذه الارتفاعات المتتالية.

أمام هذا الوضع الكارثي الذي تعكسه صرخات المغاربة الرقمية على منصات التواصل الاجتماعي، يصبح من الضروري انتقال العمل الحكومي من مرحلة “التطمينات الإحصائية” إلى مرحلة “المراقبة الميدانية الصارمة”. إن تجاوز هذه الأزمة لا يتطلب فقط تساقطات مطرية أو أرقاماً تفاؤلية، بل يقتضي إصلاحاً جذرياً لأسواق الجملة، وإعادة هيكلة قنوات التوزيع، والضرب بيد من حديد على أيدي المضاربين والمحتكرين، لضمان أن تترجم خيرات البلاد ووفرة إنتاجها إلى أثمنة عادلة ومعقولة تلائم قفة المواطن البسيط وتحمي سلمه الاجتماعي.





