24 ساعةأخبار وطنيةالواجهة

بين مطرقة الخارج وسندان الداخل من يجرؤ على قول الحقيقة؟

لم يعد الغلاء في المغرب مجرد رقم يرتفع في نشرات الأخبار، بل صار صفعة يومية على وجه كل مواطن. سؤال بسيط يطرق الأبواب بإلحاح: من يدفع الثمن؟ والأهم… من يربح في صمت؟

الأسهل دائمًا أن نشير إلى الخارج. توترات دولية، أسعار نفط متقلبة، سلاسل إمداد مرتبكة… حزمة أعذار جاهزة للاستهلاك. لكن الحقيقة التي يُتجنب قولها بصوت مرتفع هي أن الداخل لم يعد مجرد متلقٍ للصدمات، بل صار مُضاعفًا لها.

حين ترتفع أسعار المحروقات، لا ترتفع وحدها. ترتفع معها فواتير النقل، والمواد الغذائية، وكل ما يمر عبر قنوات توزيع تشبه المتاهة أكثر مما تشبه سوقًا منظمًا. في هذه المتاهة، يضيع المستهلك… وتكبر الأرباح في الظل. هنا تحديدًا، يصبح الصمت شريكًا في الجريمة: من يراقب؟ ومن يحاسب؟

ثم يأتي الجفاف، لا كاستثناء، بل كقاعدة جديدة. أرض عطشى، إنتاج متراجع، واعتماد متزايد على الخارج. ومع كل موسم شحيح، يتآكل ما تبقى من سيادة غذائية، ويتحول المواطن إلى رهينة سوق لا ترحم. فهل الجفاف وحده المسؤول؟ أم أن غياب رؤية زراعية صلبة هو ما جعل الطبيعة تتحول من تحدٍ إلى أزمة دائمة؟

السياسات العمومية؟ تتحرك… نعم. لكنها تتحرك ببطء لا يليق بحجم النزيف. دعم هنا، تسقيف هناك، تصريحات مطمئنة… لكنها لا تمس جوهر المشكلة. كأننا نضع ضمادات على جرح مفتوح وننتظر أن يلتئم وحده. الإصلاح الحقيقي ليس في تهدئة الألم، بل في اقتلاع أسبابه: تفكيك الاحتكار، فرض رقابة حقيقية، وإعادة الاعتبار للإنتاج الوطني.

في الشارع، لا أحد يتحدث بلغة الأرقام. الناس يتحدثون بلغة القلق. بلغة “لم يعد الراتب يكفي”، و”كيف سيمر الشهر؟”. القدرة الشرائية لم تعد مؤشرًا اقتصاديًا، بل صارت اختبارًا يوميًا للكرامة. ومع كل زيادة جديدة، لا يرتفع السعر فقط… بل يرتفع منسوب الغضب الصامت.

المغرب اليوم أمام لحظة حاسمة: إما أن يظل يدير الأزمة بردود الفعل، أو يختار المواجهة الصريحة. مواجهة تُسمي الأشياء بأسمائها، وتُحمّل المسؤولية لمن يستحقها، وتضع المواطن في قلب المعادلة لا على هامشها.

لأن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا الغلاء؟

بل: إلى متى سيُطلب من نفس الفئات أن تدفع الفاتورة وحدها؟

ومن يملك الشجاعة ليقول: كفى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى