بين مطرقة “وحدة الساحات” وسندان “التفتيت البنيوي”: قراءة في مستقبل الصراع الإيراني-الأمريكي

بقلم د. عبداللطيف مشرف
أستاذ مساعد التاريخ السياسي . جامعة ماردين آرتوكلو – تركيا
تعيش منطقة الشرق الأوسط في مطلع عام 2026 مخاضاً جيوسياسياً هو الأعنف منذ عقود، حيث تجاوزت القوى الإقليمية والدولية مرحلة “قواعد الاشتباك التقليدية” التي سادت لسنوات، لتنتقل إلى ما يمكن تسميته بـ “حرب الوجود الجيوسياسي”. في قلب هذا الصراع، تبرز إيران كلاعب يحاول إعادة هندسة المنطقة وفق عقيدة “الدفاع المتقدم”، بينما تسعى واشنطن وحلفاؤها لتفكيك هذا المشروع من الداخل عبر استراتيجيات “التفتيت البنيوي”.
عقيدة “وحدة الساحات”: الدرع الإيراني اللامتناظر
تتبنى طهران اليوم واقعاً جيوسياسياً يقوم على مفهوم “وحدة الساحات”، وهو مفهوم لم يعد شعاراً تعبوياً بل تحول إلى “حائط صد” استراتيجي صلب. تدرك القيادة الإيرانية، بمنطق التاريخ السياسي، أنها لا تمتلك التكافؤ العسكري التقليدي أمام الحلف (الصهيو-أمريكي) من حيث التفوق الجوي أو التكنولوجي الصرف؛ لذا عمدت إلى بناء “عمق استراتيجي عابر للحدود”.
إن عبقرية هذه الاستراتيجية من وجهة نظر طهران تكمن في تحويل الجغرافيا الإقليمية إلى “لغم أرضي” كبير؛ بحيث يصبح أي مساس بالداخل الإيراني بمثابة صاعق يفجر جبهات تمتد من مضيق باب المندب جنوباً، مروراً بالعراق وسوريا، وصولاً إلى جنوب لبنان. هذا الترابط العضوي يهدف إلى فرض “حرب استنزاف طويلة” تشتت الجهد الاستخباراتي والعسكري المعادي، وتجعل كلفة استهداف طهران سياسياً واقتصادياً وعسكرياً تفوق قدرة الخصوم على الاحتمال.
”التفتيت البنيوي”: الرهان الأمريكي على التصدعات الداخلية
في المقابل، يبدو أن واشنطن، وتحديداً في ظل الإدارة الحالية، قد وصلت إلى قناعة بأن المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران هي “فخ استراتيجي” سيؤدي إلى انهيار منظومة الأمن الإقليمي. وبدلاً من ذلك، انتقلت لاستخدام “مبضع الجراح” الجيوسياسي عبر استراتيجية “التفتيت البنيوي”.
تعتمد هذه الخطة على تحريك “فوالق الزلازل” العرقية والإثنية داخل الجسد الإيراني، مستهدفةً المكونات الكردية، والآذرية، والعربية في الأحواز. الرهان هنا هو نقل المعركة من “الحدود” إلى “القلب”، وتحويل إيران من دولة “مُصدرة للأزمات” إلى دولة “مشغولة بلملمة شتاتها”. إلا أن تسليح هذه المكونات، وتحديداً الورقة الكردية، يواجه ما نسميه في العلوم السياسية بـ “فخ الجغرافيا”، وهو فخ يضم ست عقبات وجودية قد تحول حلم واشنطن بتغيير النظام إلى كابوس يهدد استقرار حلفائها قبل أعدائها.
عقبات الرهان على “الورقة الكردية”
أولاً: الفيتو التركي الحاسم. تبرز أنقرة هنا كعنصر توازن إقليمي لا يمكن تجاوزه. إن أي محاولة أمريكية لتسليح أكراد إيران وبناء كيان عسكري لهم تعني بالضرورة تهديداً وجودياً للأمن القومي التركي. تركيا تدرك أن “عدوى الانفصال” لا تعترف بالحدود السياسية، وأن نشوء “دويلة” كردية على حدودها الشرقية سيشعل الداخل التركي فوراً. لذا، فإن أنقرة مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى، بما في ذلك التنسيق العسكري مع خصومها، لإجهاض هذا المخطط.
ثانياً: المعادلة السورية الجديدة. تحت إدارة “أحمد الشرع”، تبدو دمشق أكثر وعياً بضرورة الحفاظ على “الدولة القومية”. القيادة السورية الجديدة تدرك أن نجاح مشروع التفتيت في إيران سيعطي ضوءاً أخضر للانفصاليين في شمال سوريا لإتمام مشروعهم. ومن هنا، نجد ملامح تحالف “ضرورة” ينشأ بين دمشق وطهران وأنقرة لحماية مفهوم السيادة الجغرافية ضد الفوضى الأمريكية الممنهجة.
ثالثاً: تآكل الثقة الكردية. يعاني العقل السياسي الكردي مما يمكن تسميته بـ “تروما الوعود الغربية”. تاريخياً، استُخدم الأكراد كأداة تكتيكية في صراعات كبرى، من اتفاقية الجزائر 1975 وصولاً إلى أحداث شمال سوريا الأخيرة. هذا الإرث من “الخذلان” يجعل المكون الكردي داخل إيران حذراً جداً من الانزلاق في مغامرة قد تنتهي بصفقة كبرى بين واشنطن وطهران تتركهم مرة أخرى في مواجهة مصيرهم.
رابعاً: براغماتية إقليم كردستان العراق. تمثل “أربيل” نموذجاً للواقعية السياسية؛ فهي ترفض تحويل أراضيها إلى “منصة وثب” ضد إيران. القيادة الكردية في العراق تدرك أن جغرافيتها مكشوفة أمام الطيران والمسيرات الإيرانية، وأن المغامرة بدعم تمرد مسلح في إيران ستعني سحق المكتسبات الاقتصادية والسياسية التي تحققت للإقليم على مدار ثلاثة عقود.
خامساً: القومية الإيرانية والسيادة. يقع المحللون الغربيون غالباً في خطأ فادح حين يخلطون بين كراهية النظام وحب الوطن. المعارضة الإيرانية، بمختلف أطيافها الليبرالية والقومية، ترى في “وحدة التراب” خطاً أحمر. إن التهديد بتقسيم إيران هو الورقة الوحيدة التي قد تمنح النظام الحاكم شرعية شعبية غير مسبوقة، حيث سيتوحد الإيرانيون خلف “راية الدولة” لحماية جغرافيتهم التاريخية من التفتيت الخارجي.
سادساً: معادلة الردع بـ “ديمونا”. أخيراً، تبرز لغة القوة الخشنة. إن تلويح طهران باستهداف المنشآت الاستراتيجية والحساسة (كمفاعل ديمونا) رداً على العبث بأمنها الداخلي، يضع إسرائيل في قلب الخطر الوجودي. هذا التوازن المرعب في “كلفة الرد” قد يدفع تل أبيب ذاتها لممارسة ضغوط على واشنطن لفرملة أي مخطط قد يؤدي لانفجار نووي أو بيئي في المنطقة.
نحو أفق مسدود أم تسوية كبرى؟
في الختام، يبدو أن واشنطن تلعب بـ “أوراق محترقة”. إن محاولة إضعاف طهران عبر تفتيتها عرقياً هي مغامرة غير محسومة العواقب، بل إنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً، وهي توحيد الخصوم الإقليميين (تركيا، سوريا، إيران) في جبهة واحدة ضد “الفوضى الأمريكية”.
المنطقة اليوم ليست مستعدة لـ “سايكس بيكو” جديدة، كما أن النظام الإقليمي يعاني من سيولة أمنية لا تسمح بمزيد من المغامرات. السؤال الذي يفرض نفسه الآن على طاولة صناع القرار في واشنطن: هل ستضحي الولايات المتحدة بعلاقاتها الاستراتيجية مع قوى وازنة كتركيا وسوريا من أجل “مقامرة” بالورقة الكردية؟ أم أن واقعية الميدان ستجبرها في النهاية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات للبحث عن مسارات تُسقط “السياسات” دون أن تفتت “الدول”؟
إن التاريخ السياسي يعلمنا أن اللعب بنيران التقسيم في منطقة مشتعلة أصلاً كالشرق الأوسط، لن ينتهي إلا باحتراق أصابع الجميع في محرقة إقليمية شاملة لا يخرج منها أحد منتصراً.
د. عبداللطيف مشرف
أستاذ مساعد التاريخ السياسي . جامعة ماردين آرتوكلو – تركيا





