بين نبل الرسالة ومستنقع الابتزاز: كيف انحرفت “صاحبة الجلالة” في الجديدة عن مسارها؟

لم تعد الصحافة المحلية في العديد من الحواضر المغربية مجرد أداة لنقل الخبر وتسليط الضوء على مكامن الخلل، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة لتصفية الحسابات ووسيلة للاغتناء السريع. وتعتبر مدينة الجديدة، عاصمة دكالة، نموذجاً صارخاً لـ”تميع” هذا الحقل النبيل، حيث أضحى الصراع بين “المهنية” و”الابتزاز” السمة الغالبة على مشهدها الإعلامي … فبين صحفي نزيه يجد نفسه في مرمى الاتهامات الباطلة بسبب قلمه الحر، ودخلاء اتخذوا من “صاحبة الجلالة” درعاً لابتزاز المسؤولين، يعيش الشأن المحلي بالجديدة أزمة تنموية صامتة تغذيها أقلام مأجورة وبعض الصفحات الفيسبوكية العشوائية .
فعندما يقرر كاتب أو استقصائي فضح ملف فساد أو رصد اختلالات في تدبير الجماعات المحلية بالجديدة، فإن السلاح الأول الذي يشهره المفسدون في وجهه هو “تهمة الابتزاز”؛ والغرض من ذلك واضح وهو خلط الأوراق وتحويل الفاسد إلى ضحية، والصحفي إلى مجرم. غير أن الصحفي المهني الحقيقي يتفاعل مع هذا الاختبار الصعب بالاحتماء بحصن “الوثيقة” والقرائن الملموسة، مبيناً طهرانية قصده وسعيه للمصلحة العامة. كما يرفض الدخول في أي مساومات لـ”قبر” المقال أو التراجع عن النشر مقابل مبالغ مالية، معتبراً أن مصداقيته لا تُقدر بثمن، ويسلك دائماً المسار القانوني والمؤسساتي واضعاً ملفه أمام القضاء وهيئات التنظيم الذاتي لتطهير المشهد والتمييز بين الخبيث والطيب.
لكن في المقابل، يغرق المشهد العام بالجديدة في مستنقع آخر تسببت فيه “شبه الصحافة” المحلية، التي أسهمت بشكل لافت في تدهور الوضع التنموي والاجتماعي للمدينة. فقد تأسست بعض المواقع والصفحات المحلية لغرض وحيد وهو مساومة مسؤولي الشأن المحلي؛ حيث يُهدد رئيس الجماعة أو المنعش العقاري بالنشر والتشهير، فإذا خضع للابتزاز ورصد ميزانية للدعم صمت القلم وتحول المسؤول المقصر إلى “بطل قومي”، مما يتسبب في ضياع المال العام وتواطؤ مفضوح يعطل مشاريع المدينة التنموية.
إلى جانب ذلك، أسهم غزو “اللايفات” التافهة في تمييع الذوق العام للمواطن الجديدي وتصدير صورة نمطية مشوهة تسوق الجديدة كبؤرة للفوضى، مما يضرب جاذبيتها السياحية والاستثمارية. يضاف إلى هذا اشتغال بعض المنابر كأذرع إعلامية بالوكالة لصالح جهات سياسية أو لوبيات عقارية لتصفية الحسابات مع الخصوم، مما يذكي الاحتقان ويعرقل السير العادي للمؤسسات المنتخبة التي تنشغل بالدفاع عن نفسها بدلاً من تأهيل البنية التحتية المتآكلة للمدينة.
إن أخلاقيات مهنة الصحافة ليست ترفاً فكرياً، بل هي صمام أمان للمجتمع. وإذا كانت دكالة تزخر بطاقات صحفية شريفة تحارب في الخنادق الأمامية لنقل الحقيقة، فإن تنقية البيت الداخلي للإعلام المحلي بالجديدة من الدخلاء و”المبتزين” أصبحت ضرورة ملحة لاسترجاع هيبة “السلطة الرابعة” ودورها الريادي في خدمة التنمية المحلية.





