بين هتافات المدرجات وأرباح الشركات
كيف تحوّل شركات الاتصالات عشق المغاربة للمنتخب إلى موسم حصاد تجاري؟

كلما أحرز المنتخب الوطني المغربي هدفاً، تعلو الهتافات وتغمر مشاعر الفخر ملايين المغاربة. غير أن هناك جهة أخرى تحتفل بالأهداف بطريقة مختلفة؛ لا يهمها عدد الكرات التي عانقت الشباك بقدر ما يهمها عدد الدراهم التي ستتدفق إلى خزائنها. إنها بعض شركات الاتصالات التي حولت المناسبات الرياضية الوطنية إلى مواسم تجارية مدروسة بعناية.
في كل بطولة كبرى، تتكرر الوصفة ذاتها: إعلانات مكثفة، وعود بمكافآت مغرية، ورسائل تسويقية تربط بين دعم المنتخب وشراء المزيد من الرصيد أو الخدمات. يُقدَّم الأمر وكأنه احتفال جماعي بالمجد الكروي، بينما تكشف القراءة المتأنية أن الهدف الحقيقي هو دفع المستهلك إلى مزيد من الإنفاق تحت تأثير الحماس الوطني.
المثير للانتباه أن هذه الحملات لا تبيع خدمة اتصالات فقط، بل تبيع شعوراً بالانتماء. فالمواطن لا يُخاطب بصفته زبوناً يبحث عن عرض أفضل، بل بصفته مشجعاً متحمساً يخشى أن يفوته “الامتياز” المرتبط بإنجاز المنتخب. وهنا يكمن جوهر الإشكال: استثمار العاطفة الجماعية وتحويلها إلى أداة تسويقية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح.
ولا تكمن المشكلة في تحقيق الربح، فذلك حق مشروع لأي مؤسسة اقتصادية. لكن ما يثير التساؤل هو حجم الفجوة بين الخطاب الإعلاني والواقع العملي. فكثير من العروض التي تُسوَّق على أنها هدايا ومكافآت استثنائية تكون محاطة بشروط تقنية وتفاصيل دقيقة لا يكتشفها المستهلك إلا بعد انتهاء موجة الحماس.
إن تحويل الإنجازات الرياضية إلى منصات تجارية ليس أمراً جديداً، لكن الخطير هو أن يصبح الشعور الوطني نفسه مادة خاماً تُستغل لتحقيق المكاسب. فعندما تُستخدم رمزية المنتخب وثقة الجماهير كوسيلة لرفع الاستهلاك، فإن الأمر يتجاوز حدود التسويق التقليدي ليدخل منطقة المسؤولية الأخلاقية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل حملة دعائية مرتبطة بإنجازات المنتخب: من الذي خرج منتصراً حقاً؟ اللاعبون الذين صنعوا الفرحة؟ الجماهير التي عاشت لحظة الفخر؟ أم الشركات التي نجحت مرة أخرى في تحويل نبض الشارع وحماس الملايين إلى أرقام متصاعدة في تقارير الأرباح؟
في النهاية، قد تُسجل الأهداف فوق أرضية الملعب في دقائق معدودة، لكن الهدف الأهم يظل احترام المستهلك والالتزام بالشفافية. فالثقة، عندما تُهدر، لا يمكن تعويضها بأي عرض ترويجي مهما بدا مغرياً.




