
الدكتور احمد او يحمان يرافع :
*كلمات*
.. إلى الأستاذ إبراهيم تازاغارت
———————————-
*تامازيغت أجلُّ من أن يُختلَف بشأنها.. إنما الخلاف في محاولة التوظيف الصهيوني لها*
أحمد ويحمان ×
ليس من عادتي أن أناقش الأفكار بمنطق الخصومة، ولا أن أردّ على الردود بمنطق المغالبة؛ لأن ما يستحقُّ اسم “النقاش العلمي” لا يقوم إلا على الإنصاف، والتوثيق، واحترام المختلف، خصوصًا حين نتناول قضايا تتصل بالهوية والذاكرة، وما يتفرع عنهما من حساسيات سياسية واجتماعية. ومن هذا المنطلق أكتب اليوم ردًّا على الأستاذ الباحث إبراهيم تازاغارت، بكل تقدير لشخصه واجتهاده، وبكل وضوح كذلك في ما أراه خطأً أو التباسًا في قراءته لموقفي.
وأبدأ بالتأكيد على حقيقة بسيطة، لكنها للأسف تُستبعد أحيانًا من النقاش، وهي أنني لست ضد الأمازيغية، ولا يمكن أن أكون كذلك، ونحن أمازيغ بالانتماء التاريخي والوجداني، كما نحن عرب بالانتماء الحضاري واللساني والثقافي، ونحن مسلمون بالهوية الجامعة التي شكّلت وحدة الأمة ووعيها عبر القرون. وهذه الثلاثية ليست تناقضًا عندنا، بل هي تركيب تاريخي حيّ عاشه المغاربة وسائر الأقطار المغاربية في واقعهم اليومي، وعبّروا عنه في أعرافهم، وأمثالهم، وأشعارهم، وعلاقاتهم الاجتماعية، دون هذا التوتر المصطنع الذي تسعى بعض الخطابات الجديدة إلى زرعه. ولا أظن الأستاذ إبراهيم، كما كل المغاربيين الغيورين، إلا في هذا الوارد .
ومن هنا يَحسُنُ أن نميز ـ بكل هدوء ـ بين أمرين:
الاحتفاء بالثقافة الأمازيغية، وهو حقّ ومطلب وضرورة تاريخية؛ وبين تسييسها تسييسًا هويّاتيًا حادًا، ثم الدفع بها ـ في بعض أشكالها ـ إلى مسارات التفتيت والعرقنة والعنصرية والصراع الداخلي. هذا هو جوهر الخلاف الذي قصدته مرارًا: ليس الخلاف في تامازيغت، بل في الاستعمال السياسي المسموم الذي يراد بها.
ولندقق هنا في بعض النقط :
*1) في مسألة الاستشهاد بمحاضرتكم.. ومن أين جاء أصل الإشكال؟*
سبق لي، كما هو معلوم، أن استشهدتُ بمحاضرة للأستاذ تازاغارت في تيزي وزو بالجزائر، قبل سنوات، وهي محاضرة باللغة الفرنسية ( متوفرة على اليوتوب )، تحدّث فيها عن نقاش جرى في المغرب بين نشطاء أمازيغ حول ما سيُسمّى لاحقًا ب“التقويم الأمازيغي”، وأنه كان بينهم ـ بحسب ما نقل ـ “مثقفة يهودية: une intellectuelle juive”، وقد تدخلت حين عبّر أحد النشطاء الأمازيغ المغاربة عن عدم اطمئنانه لبناء سردية “التقويم” على شخصية الفرعون المصري شيشناق وربطها بحكاية “انتصاره على رمسيس”؛ فاعتبرت ذلك التردد غير ذي معنى، وقدّمت منطق “الاتفاق الرمزي” فقالت بما معناه أن
المسلمين توافقوا على التقويم الهجري، والمسيحيين توافقوا على التقويم الميلادي، وها نحن نجتمع ونتوافق على تقويمنا.. فما المشكلة؟!
هذا الاستشهاد لم يك افتراءً، ولم يك تلفيقًا، بل هو نقلٌ أمينٌ لما قيل. ومن حق الأستاذ تازاغارت إن شاء أن يوضح السياق، أو يدقق العبارة، أو يشرح الملابسات، لكن ليس من حق أحد يحترم ضوابط النقاش العلمي النزيه أن يقفز على أصل المعنى ليحوّل النقاش من مضمون الفكرة إلى اتهام المستشهد.
وأُضيف هنا ما قلتُه سابقًا وأكرره:
كل ما ورد في الاستشهاد هو ما قاله الأستاذ، أما تحليلاتي واستنتاجاتي حول الخلفيات السياسية أو الاستعمالات اللاحقة لهذا المسار، فهي موقفي أنا وحدي، ولا تُلزِمُ الأستاذ تازاغارت في شيء. وما قدمناه في ذلك اللقاء وغيره من مقابلات تلفزيونية ومقالات وكتب أرفقناه بمستمسكات وصور ووثائق لدعاة هذه الطروحات مع مجنديهم من ضباط الموساد الصهيوني في المغرب وفي كيان الاحتلال والإبادة الجماعية
.. فنحن مسؤولون لا نطلق الكلام على عواهنه، ولا نقول كلاما إلا وهو مسنود بالأدلةوالقاطعة . ولذلك ينبغي الحذر لأن الخلط بين النقل والتأويل يُفسد النقاش من أساسه.
*2) هل قلتُ إن شيشناق غير موجود؟ هذا لم يحدث*
استغربتُ صراحة عندما نسب الأستاذ إبراهيم إليّ القول بأنني “أنكر وجود الفرعون شيشناق”، لأن ذلك لم أقله أبدًا، ولا يستقيم علميًا ولا منطقيًا. كيف أنكر وجود شخصية تاريخية أو اسمٍ واردٍ في تاريخ مصر القديمة، وأنا الذي تناولتُ هذا التاريخ في محاضرات ولقاءات وكتابات وأشركت في نقاشات سابقة واحدا من المهتمين والمتابعين، الصديق المصري، الذي زرت وإياه المقابر المصرية وتجولنا فيها؛ الأستاذ عبد المولى إسماعيل عطية ؟ ..
إنما الذي ناقشته ـ وما زلت أناقشه ـ هو :
هل يجوز أن نربط سنةً هويةً جديدة بـسردية منتصرة تُقدَّم للناس بوصفها “حقيقة تاريخية”، ثم يتبين أنها غير مؤسسة أكاديميًا، بل متناقضة مع الحد الأدنى من التسلسل الزمني والمعطيات ؟
فرقٌ كبير بين “وجود شخصية” و”استثمارها في أسطورة سياسية معاصرة”.
*3) المشكلة ليست في “إيض ن يناير”.. بل في “عرقنة” المشترك وتحويله إلى ساحة صراع*
كان إيض ن يناير (أو إيض سݣاس، أو سبع خضار، أو حاكوزة… إلخ) طقسًا اجتماعيًا شعبيًا معروفًا في المغرب وفي سائر الأقطار المغاربية. وكان يُحتفل به في البيوت بشكل تلقائي، وتشترك فيه الأسر الأمازيغية والعربية دون حساسيات ولا محاكمات هووية، لأن الأمر كان في الأصل ضمن الذاكرة الجماعية الزراعية ومناسباتها الرمزية.
لكننا فوجئنا في السنوات الأخيرة بمحاولة عرقنة المناسبة ؛ أي تحويلها من طقسٍ اجتماعي مشترك إلى “هوية إثنية مغلقة”، ثم تقديمها في خطاب بعض النشطاء وكأنها حدٌّ فاصل بين “أمازيغي أصيل” و”عربي دخيل”، ثم سرعان ما تنزلق الحكاية ـ كما رأينا جميعًا ـ إلى سجالات وتشاتمات وسبّ في وسائل التواصل، بل إلى قاموس عنصري مقيت يستحضر “العرق” و”الدم” و”الاستبدال” و”الطرد الرمزي”.. وهي أمور لا علاقة لها لا بتامازيغت ولا بالثقافة ولا بالتاريخ.
وهنا يصبح السؤال الملحّ، الذي لا يجوز دفنه تحت الانفعال :
هل هذا المسار يخدم الوحدة الوطنية والمغاربية ؟ أم يزرع بذور الفتنة باسم “الحقوق” ؟
وهل تَحوُّلُ المشترك إلى ساحة خصومة هو انتصار للثقافة؟ أم هو اغتيال لها ؟
*4) لماذا الإصرار على “شيشناق المنتصر على رمسيس” رغم هشاشة البناء؟*
الثقافة والتاريخ الأمازيغيان ـ في المغرب وفي الجزائر وفي ليبيا وفي تونس وفي موريتانيا ـ يزخران بالرموز والأمجاد والبطولات، وبتراث غني في الشعر والعمارة والعادات والقيم، وبنماذج في المقاومة والكرامة والتحرر. ولذلك يصبح الأمر محيّرًا :
لماذا يجري البحث عن “شرعية رمزية” في مسارٍ يقوم على سردية قابلة للسقوط السريع أكاديميًا ؟
بل إن المفارقة أن “الفرعون رمسيس الثاني” الذي يُقدَّم كخصمٍ لشيشناق في هذه الحكاية، لا يستقيم معه التسلسل الزمني، والحديث عن “انتصار”، وهنا يتحول ـ حين يخضع للحد الأدنى من الفحص ـ إلى فضيحة علمية، لا لأنها مرتبطة بمصر أو بالفراعنة، بل لأنها تقدَّم كحقيقة وتُعمَّم سياسيًا وإعلاميًا وتُفرض رمزيًا !
والأخطر أنه حين تنهار هذه الحكاية على مستوى العلم، يُعوَّض ذلك بمنطق آخر عجيب :
“لا يهم التاريخ.. ولا تهم الحقيقة المهم أن نتوافق ! ”
وهنا نحن أمام انتقال من “بحث معرفي” إلى “قرار هوياتي” قسري، ومن “درس تاريخي” إلى “هندسة سردية” قابلة للاستعمال السياسي.. وأي استعمال سياسي ؟!
*5) من حق الناس أن يفرحوا.. لكن ليس من حق أحد أن يصنع ويسعى إلى فرض “هوية قاتلة”*
إن جوهر الاعتراض ليس على الفرح ولا على الاحتفاء ولا على تثمين اللغة والثقافة، وإنما على صناعة هوية صدامية عبر “إنتاج أساطير” ثم فرضها في المجال العام كعلامة إثنية فاصلة.
فهنا يصبح النقاش ـ كما نبّه إليه كثير من الباحثين في قضايا الهوية ـ نقاشًا حول “إعادة تشكيل الوعي الجمعي” بخيارات سياسية غير بريئة.
ولا أستبعد في هذا الباب ما صار معروفًا في أدبيات الصراع الحديثة :
أن تفكيك المجتمعات لا يبدأ بالدبابات، بل يبدأ بـإعادة تعريف الذات، وتفجير التناقضات الداخلية، وإطلاق “الخصوصيات” من سياقها الثقافي نحو وظائفها السياسية. ومحيطنا وحرائقه لا تخطؤها العين .
*6) التوظيف الصهيوني: ليس تهمة مجانية.. بل تاريخ من الاختراقات والمشاريع*
حين نحذر من “التوظيف الصهيوني”، فنحن لا نوزع الاتهامات جزافًا، ولا نضع كل أمازيغي، وكاتب السطور أمازيغ، في خانة الشبهة، بل بالعكس : نحن نميز بين تامازيغت كهوية وطنية وبين فئة قليلة جدًا تريد استعمال الأمازيغية كحصان طروادة لتمرير أجندات تخدم التفتيت والتطبيع مع كيان الإجرام الصهيوني .
وهذا ليس ادعاءً بلا سياق، ولا موقفًا انفعاليًا. فالتاريخ المعاصر يَشهد على أن الحركة الصهيونية العالمية، ضمن هندسة تفكيك منطقتنا، اشتغلت مبكرًا على “نقاط الضعف”، وعلى تحويل بعض الخصوصيات الثقافية إلى وظائف سياسية.
وفي هذا الإطار، تكتسي سنة 1966 دلالةً مرجعية مهمّة، باعتبارها السنة التي يُشار إليها ـ في سياق أرشيف الصراعات ووقائع الأحداث المتواصلة على الأرض حتى يومنا هذا حول التخطيط الصهيوني في إفريقيا والعالم العربي ـ بوصفها سنة تكليف الحركة الصهيونية العالمية للجنرال ديفيد بن عوزيل (طرزان) بملف تقسيم السودان، وتكليف جاك بيني بملف تقسيم الأقطار المغاربية، أي العمل على تفجير التناقضات الداخلية بما يخدم مشروع التفتيت، ثم التحكم في المآلات.
ولا يمكن فصل ذلك عن سياقات أخرى تلت، وظهرت فيها محاولات الاستثمار في “الهويات الفرعية” لإنتاج مسارات انفصالية أو عدائية داخل الوطن الواحد.
وإذا كان البعض يستهين اليوم بخطورة النزعات الانفصالية، فإن الواقع يقدم لنا أمثلة صريحة لا تقبل التأويل، منها نموذج فرحات مهني في الجزائر، الذي أعلن ما سماه “دولة القبائل” سنة 2012 من داخل الكنيست الصهيوني، ثم عاد ليجدد إعلانها ـ قبل أيام فقط ـ في باريس. وهذه ليست مجرد “مواقف فردية هامشية”، بل هي نموذج لكيف يمكن أن يتحول شعار الهوية إلى قناة مباشرة للالتقاء بالمشروع الصهيوني نفسه، بوصفه مشروع تفكيك وعدوان.
وهنا لا بد من التنبيه:
هؤلاء لا يمثلون تامازيغت، ولا يمثلون الأمازيغ الجزائريين ولا المغاربة، بل يمثلون انحرافًا سياسيًا خطيرًا يريد أن يجعل من الهوية سلاحًا ضد الوطن. وأدعوك سي ابراهيم لمتابعة أجندة هؤلاء و النقاش في المغرب هذه الأيام عن حملة “قرآن بورغواطة” و”نبي ” الأمازيغ بن طريف بن شمعون وإله الأمازيغ ياكوش.. وعن علاقة هؤلاء المناولين (العطاشة) في الأجندة الصهيونية مع ضباط الاستخبارات العسكرية في الموساد ..
وهو الأمر الذي وقفنا عليه في هيئة المرصد المغربي لمناهضة التطبيع في السنوات الأخيرة من خلال وفود عملاء طابور التأمزغ المتصهين إلى كيان صهيون بدعوات و احتضان رسمي معلن (‼️) من معهد موشي ديان و الخارجية الصهيونية و مؤسسة يادفاشيم فضلا عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية (كذا..!!) .. وهي العناصر نفسها (عندنا بالساحة المغربية) التي حاولت مؤخرا تأسيس ما يسمى “مجموعة العمل الوطنية لدعم استقلال الشعب القبائلي” في مدينة أكادير عاصمة سوس المغربي … فضلا عن أن ما يسمى حكومة المنفى برئاسة الصهيوني المدعو فرحات مهني (الذي تم تنصيبه رئيسا لما سمي إتحاد شعوب شمال إفريقيا في طنجة 2011) تغازل و تحتضن و تلتقي برموز و وجوه ما يسمى “جمهورية الريف ” الانفصالية عن المغرب … ‼️
وهذا المشهد الفوضوي يغذي بعضه بعضا باسم الأمازيغية..في سياق مجريات التغول الصهيوني في القرن الافريقي عبر غرز سكين التقسيم من خلال ما يسمى جمهورية أرض الصومال.. والتي تم ربط الخيط بينها و بين مشروع “جمهورية القبائل” من قبل الصهاينة على لسان مائير حبيب (البرلماني الفرنسي سابقا ..والصهيوني المعروف) ‼️
*7) الأمازيغية لا تحتاج وكلاء فتنة.. بل تحتاج ضميرًا وطنيًا جامعًا*
لعل من واجبي هنا ـ وأنا أكتب هذا النقاش الهادئ ـ أن أذكر، لا تزكيةً لنفسي، بل ردًّا على من يحاول تصوير موقفي وكأنه “عداء للأمازيغية”، أنني كنت وما زلت على علاقة أخوّة ونضال مع قامات أمازيغية وطنية كبرى في الجزائر ذاتها.
وأخص بالذكر، بكل اعتزاز، أنني رفيق وصديق حميم لواحد من أعظم رموز القادة الوطنيين الأمازيغ في الجزائر: المجاهد عمي لخضر بورقعة رحمه الله، وأنني كنت من اقترحه لمنصب المنسق الشرفي للمرصد المغاربي لمناهضة التطبيع ودعم المقاومة، الذي شغله حتى يوم وفاته، لأن الأمازيغية الوطنية في الجزائر وفي المغرب وفي كل الأقطار المغاربية لم تكن يومًا بوابة للتطبيع ولا للانفصال، بل كانت دائمًا في قلب الكرامة والتحرر والمقاومة.
ومن هنا، فإن دفاعنا عن تامازيغت هو دفاع عنها من “الاختطاف”:
اختطافها من “المغامرين”، ومن “المزايدين”، ومن أولئك الذين يريدون جرّها إلى معارك وهمية مع العربية والإسلام، بينما العدو الحقيقي هو الاستعمار الجديد والنازية الصهيونية وحلفاؤها.
*آخر الكلام*
ليس الخلاف بيننا، الأستاذ إبراهيم، في حبّ تامازيغت أو الاعتزاز بها؛ فهي لنا جميعًا، وهي أوسع من أن يحتكرها خطابٌ أو فئة، وأجلُّ من أن تُستعمل ضد أهلها ووطنها. إنما الخلاف في أن بعض المسارات الجديدة تريد أن تصنع من الأمازيغية هوية مفصولة عن محيطها، وأن تستدعي لها شرعيات رمزية هشّة، ثم تدفع بها نحو صدام مع العربية والإسلام ومع الوحدة الوطنية.
نحن لا نخاف من الأمازيغية… نحن نخاف عليها.
نخاف أن تُستعمل لتخريب ما جمعه التاريخ والدين والجغرافيا والوجدان.
ونحذر من أن تُختطف ـ باسم “الحقوق” ـ لتصبح جسرًا نحو التطبيع، أو نحو التفتيت، أو نحو “الهوية القاتلة” التي لا تنتج إلا الكراهية.
تامازيغت تاجٌ فوق رؤوسنا، لكنها ليست سلّمًا إلى المشروع الصهيوني.. وحاشاها أن تكون !
مع تحياتي سي ابراهيم .
—————————–
× باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع





