تحولات جيوستراتيجية / ميلاد جمهورية وتمدد محور

بقلم أبو أيوب

    أبواب منطقة شمال غرب إفريقيا شرعت منبئة بميلاد عهد جديد، عهد قلب الموازين في منطقة كانت وإلى عهد قريب تعتبر الحديقة الخلفية لدول الضفة الشمالية للأبيض المتوسط، أي بمعنى المجال الحيوي للقارة العجوز وعلى حسابها لفائدة التنين الصيني والدب الروسي . ولعل مراسيم تنصيب الرئيس الجزائري الجديد وبحضور دولي ملفت لدليل على اعتراف دولي صريح ومعلن بنزاهة الإنتخابات بعدما توالت التهنئات رغم بعض المؤاخدات . 
    من خلال الخطاب الرسمي للتتويج برئاسة الجمهورية الوليدة، وما عرفه من تتويج وأوسمة بعض الشخصيات الوطنية ضمن رؤيا “الشعب والجيش خاوا خاوا”، شعار أجمع عليه الكل من حراك وجيش إبان الحراك حيث لم تزهق أرواح ولا تمت إسالة دماء، ثمنت كتجربة رديفة لما عرفه حراك تونس الخضراء على ضوء رمزية الإنطلاق ما بين خريف أمريكي غربي  يتبدد “لبنان/ سوريا/ اليمن على ضوء الإستنتاجات الأخيرة من نظرة ما يعيشه حاليا حلف وأدوات السعودية/ أمريكا …”، وربيع يتمدد غربا نحو الأطلسي ويتقوى شرقا من خلال محور وحلفاء عبر الشريك الروسي الصيني . 
    مؤاخدات حاولت جهات عدة الركوب عليها بنظرة مآربية إن صح التعبير، جيوستراتيجية قصد تحويل الأنظار والتشويش على انطلاقة الربيع العربي، ربيع الديموقراطيات وحق الشعوب في الكرامة والعيش الكريم وحقوق الإنسان، بعدما كان خريفا عربيا بامتياز إنطلاقا من تونس الخضراء، ورغم خضراويتها حصد الأخضر واليابس في كل من سوريا وليبيا واليمن والعراق ولبنان، لم يسلم منه الجناح الغربي لأمة إقرأ على ضفاف الأطلسي . اليوم واليوم بالذات هل من ربيع بعد الخريف ؟
    فما حدث بالجزائر وقبلها تونس مؤشر لتحولات إستراتيجية كبرى على كافة الصعد، سواء من جانبها السياسي أو الإقتصادي أو بالمعنى الجيوستراتيجي، خاصة الجانب العسكري منه، دليل المتغيرات ما يشير إليه التقارب والتنسيق العسكري بين روسيا والصين من جهة، وبين الجزائر من جهة ثانية من خلال المناورات العسكرية البحرية المشتركة في مياه المتوسط . 
    ما يعزز الفرضية، إقدام الصين على تخصيص حوالي ألف مليار دولار كقيمة إجمالي استثماراتها بالجزائر وعبرها العمق الإفريقي، خصصت في مجملها إلى تحسين البنى التحتية من طرق سريعة شمال جنوب في اتجاه الحدود مع موريتانيا ومالي، وأخرى شرق غرب انطلاقا من الحدود مع الشقيقة تونس، استثمارات من ضمن ما شملت تشييد ميناء الحمدانية وبناء أكبر تجمع صناعي في مجال الأسلحة خارج التراب الصيني، تعزيزا للرؤية الصينية الساعية إلى إعادة تأهيل طريق الحرير بما يشمل عموم القارة السمراء الواعدة . 
    وما يسري على تنمية العلاقات الثنائية بين الجانبين، يسري أيضا على العلاقات الروسية الجزائرية ضمن تكتلات إقتصادية وأحلاف عسكرية من بين أهدافها الجيوسياسية، تغيير موازين القوى بالمنطقة لصالح الحلفاء التقليديين وتقزيما للأدوار الغربية عموما . وقد بدأ ذلك بالفعل من خلال نتائج الإنتخابات الرئاسية الأخيرة التي أسفرت عن فوز قيس سعيد بتونس وعبد المجيد تبون بالجزائر “رؤية مشتركة بين الجانبين من زاوية محاربة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي / محاولات التحرر والانعتاق من هيمنة النفوذ الأوروبي وبخاصة الفرنسي …” . 
    ودليل هذا ما تعرفه العلاقات الثنائية بين الجانبين في ظل حكومة الرئيس ماكرون الحالية، حيث أصيبت فرنسا بحالة من الفزع والذعر خوفا على مصالحها في كلتى الدولتين، وهي الآن تخشى على باقي المستعمرات “موريتانيا/ المغرب/ السينغال … من أمثلة عدة “، فتلكؤ الرئيس ماكرون في تهنئة رئيس الجزائر الجديد من شأنه أن يفاقم الوضع أكثر، ويزيد من زعزعة الهيمنة الفرنسية في مستعمراتها السابقة وتقليص النفوذ الفرانكوفوني في القارة السمراء “الجزائر مثال سارعت إلى تضمين الإنجليزية كلغة ثانية معتمدة في المناهج الدراسية والمعاملات الإدارية عوض الفرنسية التي كان معمولا بها قبل بداية الحراك” . 
    أمام هذا الوضع المتفاقم، تدارك الرئيس ماكرون وسارع بالإتصال هاتفيا بنظيره الجزائري مهنئا ومباركا ومن ثمة معترفا بنتائج الإنتخابات، مبديا في الوقت نفسه عن نيته طي صفحة الماضي وإعادة العلاقات الثنائية إلى سابق عهدها، لكنه أصيب بخيبة أمل على ضوء الشروط الجزائرية التي نصت على المساعدة في استرجاع الأموال الجزائرية المنهوبة، تسليم بعض الشخصيات الجزائرية الفارة والمتهمة بالفساد “عمار سعداني مثال …”، مع تقديم اعتذار للشعب الجزائري على المحاولات الفرنسية المتكررة للتدخل في شؤونه الداخلية “لجوء فرنسا للبرلمان  الأوروبي من أجل استصدار قرار تنديد وشجب … مثال ” .
    كما تجدر الإشارة إلى بعض من مسببات الضجر الجزائري من سياسات فرنسا الخارجية ذات الصلة سواء ب : 
  • واردات الجزائر من القمح الفرنسي بأسعار مرتفعة مع النفخ في الفواتير قياسا بوارداتها من القمح الروسي .
  • الضغوط الفرنسية والنفخ في فواتير صادراتها نحو الجزائر من محصول التفاح الفرنسي، وهي بالمناسبة القشة التي قصمت ظهر البعير عندما كان الرئيس الجديد عبد المجيد تبون وزيرا أولا في حكومة الجزائر .
  • تفضيل الجيش الجزائري اقتناء الأسلحة الروسية بدل الفرنسية والغربية عموما، مقتنيات بملايير الدولارات حرمت منها مصانع السلاح الفرنسي بالأخص، وهذه بعض من مسببات الهجوم الشرس لفرنسا على قيادات الجيش الوطني الشعبي خاصة قيادة الأركان في شخص نائب وزير الدفاع الفريق قايد صالح . 
  • إسقاط المروحيتين العسكريتين الفرنسيتين بعدما توغلتا داخل الصحراء الجزائرية بصواريخ أرض جو يقال أنها الإس 400 الروسية الصنع، وقد تسبب الحادث في مقتل 13 عسكريا فرنسيا فيما لاذت الثالثة بالفرار نحو الأراضي المالية، سوق الحادث فرنسيا كونه اصطدام عرضي بين حوامتين فيما قالت الجزائر بمحاولة فرنسية لألقاء أسلحة لبعض العناصر الإرهابية من أجل شن هجمات الغرض منها تأجيج الإحتقان واستجلاب التدخلات الدولية من أجل نسف الإنتخابات الرئاسية . 
  • الإيعاز لتركيا من خلال انتمائهما معا لحلف الناتو وتشجيعها على خلط الأوراق في الساحة السياسية الجزائرية، عبر محاولة اختراق الأجواء على الحدود التونسية الجزائرية بذريعة محاربة الإرهاب “جبل الشعابني معقلهم قرب الحدود المشتركة التونسية الجزائرية”، فشلت المحاولة وتم التصدي للطائرة العسكرية التركية وإسقاطها بواسطة المضادات الجوية الجزائرية، فتم إجهاض الحلم التركي بإعادة إحياء أمجاد الإمبراطورية العثمانية “تم التعتيم عن الحادث تفاديا للإحراج”، ولمزيد من إرباك الدور الغربي كون اقتصادية وعسكرية بزعامة حلف الناتو بدأ دوره يتآكل على مسرح السياسة العالمية، وخير مثال ما تعيشه حاليا رأس الحربة أمريكا المنشغلة بورطة ومأزق الرئاسة بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ، فضلا عما تعيشه الأدوات من استجداء ومحاولة إعادة التموقع ترقبا واحتياطا من الأسوء .
    وتظهر الصورة واضحة من خلال فشل أمريكا في سياساتها المنتهجة بحديقتها الخلفية “فينزويلا/ المكسيك / نيكارغوا/ كوبا … مثال”، وما له من ارتدادات على مجمل السياسة الخارجية، وبالمناسبة كلها دول تتمحور خلف محور الصين / روسيا مما يضفي قيمة مضافة للمحور المتمدد وضمنه إيران …، ولتتوضح الصورة أكثر أحيلكم معشر المتتبعات والمتتبيعين لما تم نشره من مقالات على الموقع نفسه، من قبيل مقال “باي باي ماما فرنسا” أو مقال “الاستهداف” وما قبلهما من مقالات شتى تعرضنا فيها إلى الأزمة الخليجية ومأزق اليمن وقرب انفراج الأزمة السورية والأزمة في العراق، مرورا بخدش الكبرياء الأمريكي والبريطاني والإنتكاسة الإسرائيلية في حرب تموز 2006 ضد حزب الله اللبناني، أو ما عرفه القطاع المحاصر في غزة من تطورات نوعية أرقت وكبحت جماح إسرائيل …
    صورة اليوم وعلى ضوء ما تعيشه المنطقة المغاربية سواء في شقها الليبي أو على خلفية نزاع الصحراء والمعظلة المالية تصب في اتجاه واحد، اتجاه يؤشر على بداية حصار عسكري إقتصادي سياسي جيوستراتيجي لما كل هو غربي الإنتماء أصولي المذهب  استئصالي العقيدة، صراع حلف وأدوات ومحور وحلفاء هي الحقيقة بعينها “المناورات البحرية المشتركة بين الصين/ روسيا/ الجزائر ضمن إطار حلفاء تقليديين / يقابله ابتزاز أمريكا للدول الخليجية إبان الأزمة  مع إيران “الدفع مقابل الحماية” من منطلق حلف وأدوات، فلا الحماية ضمنت ولا الاموال بقيت” . 
    حقيقة اللحظة نستشفه من خلال الإنحنائة الفرنسية والخضوع والقبول بالأمر الواقع صاغرة مقوسة الظهر، ولن تهضمها بالمؤكد الأكيد، وسوف تواصل نهجها عبر الدراع الإعلامي والناطق الرسمي لوزارة خارجيتها “قناة فرانس24″، في محاولة منها لاسترجاع ما بقي من نفوذ وهيبة إن لم أقل من سطوة، متناسية أنها تئن تحت سياط جدوة السترات الصفراء، فهل يؤشر الوضع الحالي بعموم المنطقة على ميلاد مد جمهوري من زاوية محور وحلفاء ؟ أم ضمن تكثلات وأحلاف لحلفاء ومحور ضمن التحولات الجيوستراتيجية بالمنطقة على حساب حلف وأدوات ؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة وقد تصدق التنبؤات .
    فجر ديموقراطي مغاربي هل من جديد معلنا بداية ربيع عربي، على أنقاض خريف عربي بامتياز سوق لنا كونه ربيعا عربيا حرف جورا بقرف واشمئزاز … نهاية الحكاية والأيام بيننا .
    مجرد رأي والآراء تختلف، لكن التحليل … حدث بدون حرج. طاب مساؤكم وإلى مقال قادم بحول الله .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيديو خطير : نداء استغاثة من شاب مغربي إلى السفارة المغربية بالصين من قلب مدينة ووهان المنكوبة بسبب انتشار فيروس كورونا

متابعة رشيدة باب الزين : من قلب مدينة ووهان المنكوبة شرق الصين بسبب انتشار وباء ...