تراب وتمريغ أنوف

بقلم أبو أيوب

    ما يجمع بين أفغانستان واليمن هو ما أقر به الإنجليز أيام الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، كون البلدين مقبرتين للغزاة فضلا عن تشابه التضاريس والجغرافيا . الأولى شكلت غصة في حلق أمريكا ولا زالت كما شكلتها بالأمس للإتحاد السوفياتي، أما الثانية هي اليوم بحق مقبرة للسعوديين والإماراتيين ومن دار في الفلك .

    الجنوب الشرقي للسعودية اليوم يهتز على وقع انفجارات ضخمة بمعملين لتكرير البترول ومشتقاته تابعين لشركة أرامكو جنوب الدمام، استهداف العمق الإقتصادي السعودي على بعد حوالي 1300 كلم بعشر طائرات مسيرة محملة بمتفجرات يطرح أكثر من علامة استفهام، كيف لهذا الكم من الطائرات المسيرة أن يعبر هذه المسافة بينما السماء تحت رصد ومراقبة طائرات الأواكس السعودية الأمريكية ؟ ثم كيف لم ترصده مختلف أنواع الرادارات المتنقلة والثابتة على الأرض ؟ وأين هي المضادات الأرضية من مختلف الصواريخ من ضمنها أسطورة الباتريوت ؟ …….

    إستهداف اليوم يذكرنا بما وقع بالأمس القريب من استهداف للدمام نفسها بصاروخ بركان 3 اليمني الصنع، وقبلها حقول الغاز والبترول بمنطقة الشيبة مع الحدود مع الإمارات على بعد أكثر من 1200 كلم، وتطول اللائحة لتشمل خط أنابيب شرق غرب العابر للصحراء جنوب الرياض فضلا على استهداف القواعد الجوية بجيزان وخميس مشيط ونجران وعسير جنوب المملكة …. دون الحديث عما يجري على الأرض من معارك طاحنة بلغت حد التوغل داخل تراب المملكة، وما خلفته من خسائر في العتاد والأرواح وعمليات الأسر … لتتحول بذلك عملية إعادة الشرعية والأمل لليمن كما تم التسويق لها بداية 2015 إلى حرب بالوكالة وإبادة جماعية لأقدم حضارة إنسانية .

    بعيد أيام على توقيع الإتفاق النووي سنة 2015 بين مجموعة 5+1 الذي عارضته إسرائيل وبعض الدول العربية على رأسها السعودية والإمارات، ولتقليل هول الصدمة وامتصاص ردود فعل المعارضين للإتفاقية، لمحت أمريكا لهم وأطلقت أياديهم عبر تدخلاتهم في كل من سوريا بمنح إسرائيل الضوء الأخضر الأمريكي، واليمن من خلال ما سمي بالتحالف العربي آنذاك بدريعة إعادة الشرعية، المسعى الأمريكي كان يرمي إلى الدفع بإيران إلى إرخاء قبضتها والتقليص من نفوذها وانخراطها في أزمة البلدين معا، أي بمعنى لقد أعطيناكم ما كنتم تطلبون وقدمنا تنازلات إرضاء لطموحاتكم النووية … بالتالي عليكم أنتم كذلك تقديم تنازلات … عملية كان المراد منها تشبيك أزمات المنطقة والتفاوض بشأنها كسلة واحدة عكس النظرة الإيرانية التي تقول بضرورة فصل الملفات وعدم التطرق للنفوذ واشكالية الصواريخ .

    كما تجدر الإشارة أنه ومع بداية الحرب على اليمن وما تناقلته آنذاك مختلف وسائل الإعلام من صور القصف والدمار، وما تخللها من تصريحات للناطق الرسمي باسم قوات التحالف وما حققوه من انتصارات وتحجيم تارة لميليشيات الحوثيين وأخري لقوات الرئيس المغتال علي عبد الله صالح … حرب إبادة جماعية وجرائم فضيعة ضد الإنسانية لم تشكل وخز ضمير لقوات التحالف العربي بقيادة السعودية، و لا للضمير العالمي أو المنظمات الحقوقية والدول المصدرة للسلاح أو الأمم المتحدة، رنين البترودولار ووعود إنهاء الحرب بأسرع ما يمكن أغشى عيون المجتمع الغربي التواق إلى استغلال الثروات عبر الوكلاء .

    في هذه الفترة بالذات ومع نشوة أحلام اليقظة بالإنتصار والفتح المبين خدمة لمصالح الأسياد، مر خطاب سيادي رسمي مرور الكرام لم يلتفت له أحد أو بالأحرى لم يصدقه البعض فيما البعض الأخر قال بالخطاب الإستهلاكي الموجه ذرا للرماد في العيون، وأعني به خطاب مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في وجه قوات التحالف العربي برأس حربتها السعودية، حيث ناشدهم بالكف عن قتل اليمنيين وحصارهم وتجويعهم، والسعي إلى إصلاح ذات البين بين الفرقاء وعدم تأليب بعضهم على بعض، خلاف هذا تمريغ أنف السعودية ومن والاها في التراب .

    اليوم بعد دخول الحرب عامها الخامس انفرط عقد التحالف “انسحاب باكسان/ المغرب/ مصر …” ولم تبقى سوى السعودية وبعض من الإمارات، كل أهدافهم سقطت وكل خططهم فشلت وأفشلت بل انتقلت الحرب إلى عقر الدار، استنزفت الدولتان وابتزتا في أموالهما ابتزازا لم يشهده التاريخ من قبل، فلا أمريكا حمتهم ولا الأواكس كشفت قدوم عدوهم ولا الباتريوت اعترضت صوارخه و مسيراته، تهاوي القلاع أوشك أن هم تمادوا ولم يتعضوا وتعنثهم وأنفتهم الزائفة لن تحول دون تقدم المقبرة .

    سكون الموتى المخيم حاليا على الإدارة الإمريكية المتوقعة لحدوث الأسوء، دفعها للجم اللسان والإكتفاء بالنظر لتهاوي القلاع مع أهبة المغادرة، سعوديتها تترنح تحت ضربات أهل المقبرة وربيبتها تتقوقع وتتأرجح بين تهديد لبنان ووعيد فلسطين وما باليد حيلة، فبقدر ما يرتفع النسر يقع أو كما يقول المثل بقدر تسلق القردة الأشجار تنكشف العورات .

    قصف اليوم كان له ما قبله والأكيد أن له ما بعده وما بعد البعد بشكل تصاعدي تدريجي استنزافي، بمعنى قد نشهد عمليات نوعية قاصمة ضد السعودية والإمارات معا لتكون الضربة أشد وقعا، كون الصراع منطلقه من زاويتين متباينتين، تكتيكية إيديولوجية اقتصادية استراتيجية “الإمارات واستثماراتها في الموانئ/ السعودية واستحوادها على سوق النفط” تقابلها أخرى دينية إيمانية عقائدية مترسخة في وجدان حاملها والمؤمن بها ومنها يستلهم سر وجوده في الحياة “الحوثيون باليمن/ حزب الله بلبنان/ فصائل المقاومة بفلسطين …”، ليترسخ في الأذهان أن الصراع صراع وجود وليس صراع حدود، صراع من أجل البقاء والعيش في عزة وأنفة وكبرياء .

    تمريغ أنوف في التراب أصبح حقيقة بعدما كان مجرد خطاب وقد توريك الأيام ما كنت جاهل، لنتسائل اليوم كم أغدقت وصرفت السعودية والإمارات وما هي النتيجة ؟ ملايير صفقات التسلح ذهبت هباء منثورا ومعها ذهب الرخاء ورغد العيش، لو استثمرت في اليمن والسودان ومصر … لما بقي جائع أو جاهل في أمة إقرأ، لكن حال الأعراب هكذا، يستثمرون في الحيوانات المنوية بدل الإستثمار في المجالات النووية …

    انها والله لحبلى بالمفاجآت الأيام القادمة .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هاجر الريسوني تعانق الحرية بعد عفو ملكي

    تتبع الرأي العام المغربي بكثير من الاهتمام ملف الصحفية هاجر الريسوني، وسال كثير ...