الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

تشريح الوجود الإنساني في مواجهة فوضى الحرب

بقلم: الكاتب والروائى خالد حسين.

● مقدمة: الحرب كمرآة للوجود:
ثمة روايات تُقرأ وتُنسى، وثمة روايات تقرأك أنت وتتركك مختلفاً. “لمن تقرع الأجراس” من النوع الثاني.
حين نشر إرنست همنغواي روايته عام 1940، كان العالم يقف على عتبة حرب عالمية ثانية، والحرب الأهلية الإسبانية قد أسدلت ستارها للتو على مأساة بشرية كاملة. لكن ما كتبه همنغواي لم يكن تقريراً صحفياً عن تلك الحرب رغم أنه عاشها مراسلاً. كتب شيئاً أعمق وأكثر إزعاجاً: كتب عن الإنسان حين يقف وجهاً لوجه أمام الموت، ويحاول، في تلك اللحظة بالذات، أن يجد إجابة لسؤال لم يسأله أحد بصوت عالٍ من قبل ما الذي يجعل الحياة تستحق الدفاع عنها بالحياة نفسها؟
الرواية لا تُختزل في قصة حب مؤقتة أو مهمة عسكرية في جبال إسبانيا الباردة. إنها استكشاف نادر لتناقض يسكن قلب كل تجربة إنسانية: المثالية التي تصطدم بالواقع، والتضحية الفردية التي تذوب في عبثية الصراع الجماعي، والمعنى الذي نبنيه بأيدينا في عالم يبدو مصمماً على هدمه. لغة همنغواي بسيطة حتى يخدعك بساطتها، لكن تحت كل جملة قصيرة يكمن ثقل ما لم يُقَل.
● تلخيص الرواية: ملحمة وجودية في قلب العاصفة:
في جبال سييرا دي غواداراما الباردة، حيث تخفي الغابات صرخات الثوار وأنين الجرحى، يبدأ روبرت جوردان رحلته. الأمريكي الذي جاء يحمل مثالية الديمقراطية في قلبه وحقيبة المتفجرات على كتفيه، أُرسل لتنفيذ مهمة واحدة: تفجير جسر حيوي يعوق تقدم قوات فرانكو الفاشية. مهمة بدت واضحة الملامح، لكنها سرعان ما تتحول إلى شيء أصعب بكثير مواجهة الأسئلة التي لا تحلها المتفجرات.
تدور الأحداث كلها في ثلاثة أيام فقط. همنغواي يعرف ما يفعله حين يضيق الإطار الزمني إلى هذا الحد؛ الزمن المضغوط يُجبر الشخصيات على أن تكون ما هي عليه حقاً، دون مهلة للتمويه.
المجموعة التي ينضم إليها جوردان كاملة التناقضات: بابلو، القائد السابق الذي أكل الخوف مثاليته، يختبئ خلف زجاجة النبيذ ويُخطط للفرار بينما يُصادر بطولة قديمة لم تعد تنتمي إليه. بيلار زوجته، التي تحمل في عينيها نار الثورة وفي ذاكرتها أثقال ما فعله الثوار أنفسهم بأعدائهم، هي أكثر شخصيات الرواية صدقاً وربما الأكثر ترويعاً في وقت واحد. وماريا، الفتاة التي هربت من جحيم الفاشيين ومعها ندوب في جسدها وروحها لن تمحوها الأيام.
العلاقة بين جوردان وبابلو هي الخيط الأكثر شداً في الرواية. الأمريكي المؤمن بالمهمة في مواجهة الرجل الذي رأى ما تنتهي إليه المهام. حين يسأل بابلو في أحد المشاهد: “أتيتَ لتموت من أجل شعب لا تعرفه؟”، فهذا ليس استفزازاً، بل هو السؤال الأصعب الذي كان جوردان يتجنب طرحه على نفسه.
في خضم كل هذا، تنشأ بين جوردان وماريا علاقة لا تشبه قصص الحب العادية لأنها تنمو في الاتجاه المعاكس للزمن من المستقبل المستحيل نحو الحاضر الوحيد المتاح. ليالٍ قليلة تحت غطاء الغابة تصير هدنة من رعب الحرب، لكنها أيضاً تطرح السؤال الذي لا يُقال: هل يستحق العيش في عالم يسمح بهذه الوحشية؟
حين تنفجر القنبلة وينجح تفجير الجسر، تُصيب رصاصة جوردان في ظهره أثناء الانسحاب. النجاح العسكري والمأساة الشخصية في لحظة واحدة وكأن همنغواي يقول إن الحرب لا تكافئ حتى من يُنجز ما طُلب منه. يقرر جوردان البقاء وحيداً، رافضاً أن يكون عبئاً على رفاقه، ممسكاً ببندقيته بينما تلوح دبابات العدو في الأفق.
عبارته الأخيرة في الرواية تظل واحدة من أكثر الجمل الأدبية تحدياً للنسيان: “العالم مكان جميل ويستحق القتال من أجله”. يقولها رجل يحتضر. هل هي يقين أم رغبة؟ هل هي استنتاج أم صلاة أخيرة؟ همنغواي لا يجيب. يتركك تحمل السؤال.
● السياق التاريخي: إسبانيا بوتقة تنصهر فيها أيديولوجيات القرن العشرين:
○ حرب لم تكن إسبانية بالكامل:
قبل أن تتحول الحرب الأهلية الإسبانية إلى فصل في كتب التاريخ، كانت مختبراً دموياً للصراعات الأيديولوجية التي شكّلت القرن العشرين: الفاشية في مواجهة الشيوعية، القومية في مواجهة الأممية، الكنيسة في مواجهة العلمانية. لكن ما يغيب كثيراً عن الرواية الرسمية هو أن هذه الحرب لم تكن “إسبانية” بالكامل. تحوّلت إلى ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى، حيث تدفقت الأسلحة والمتطوعون من موسكو ومن برلين ومن روما ومن باريس. إسبانيا كانت اسماً على الخريطة، لكن أصابع عديدة كانت تحرك القطع على رقعة الشطرنج.
في يوليو 1936، تحالف فرانكو مع المليشيات الفاشية لإسقاط الحكومة الجمهورية، مدعوماً سراً من هتلر وموسوليني اللذين رأيا في إسبانيا جسراً نحو السيطرة على البحر المتوسط. أرسلت إيطاليا خمسين ألف جندي، وأجرت ألمانيا تجاربها العسكرية الحديثة، ومنها قصف غرنيكا الذي حوّله بيكاسو إلى أيقونة الرعب البصري. على الجانب الآخر، الجمهوريون الذين تحالفوا مع فصائل يسارية متناحرة، تعرضوا لخيانة من الداخل حين قرر ستالين سحب دعمه بحسابات جيوسياسية لا علاقة لها بمصير الإسبانيين.
○ الألوية الدولية: وجوه ضائعة في زحام الأيديولوجيا:
أربعون ألف متطوع من خمسين دولة جاؤوا للقتال في إسبانيا. من بينهم آلاف اليهود الألمان الهاربين من النازية وجدوا أنفسهم يقاتلون الفاشية في أرض غريبة. ومن بينهم أفارقة أمريكيون هربوا من التمييز العنصري في وطنهم ليجدوا أنفسهم في صفوف لينكولن باتاليون يواجهون عنصرية مزدوجة. جورج أورويل وأندريه مالرو وبابلو نيرودا كانوا هناك أيضاً، كل واحد يحمل قضيته ويبحث عن صورة العالم الذي يريده.
○ الثورة الاجتماعية التي لم يُحكَ عنها:
خلف خطوط الجبهة الجمهورية، تجربة فريدة كادت تمر دون أن يصفها التاريخ الرسمي: كوميونات لاسلطوية أقامها الفلاحون والعمال في كاتالونيا وأراغون، ألغوا فيها المال وأداروا المصانع بالديمقراطية المباشرة وجربوا أشكالاً من المساواة لم تعرفها المجتمعات الأوروبية من قبل. أورويل وصف ذلك في “تحية لكاتالونيا”، وهمنغواي أدرج إشارات خفية لهذه التجربة في روايته عبر شخصية بيلار. لكن هذه الثورة قُمعت لاحقاً من الشيوعيين الموالين لستالين الذين رأوا في الفوضويين منافسين لا حلفاء، وهو ما يفسر في جزء منه تناقضات شخصية بابلو بين الثوري الحقيقي والخائن المتردد.
○ همنغواي الصحفي الذي أصبح شاهداً أدبياً:
لم تكن زيارات همنغواي لإسبانيا مجرد مهمة صحفية. انغمس في الثقافة الإسبانية، وشرب النبيذ مع الميليشيات، وأجرى مقابلات سرية مع جنود هاربين. ارتبط بعلاقة مع الصحفية مارثا جيلهورن التي رافقته في تغطية الحرب وأصبحت زوجته لاحقاً. عايش التناقضات الكبرى التي جعلت من هذه الحرب أكثر من حرب، وعاد منها يحمل رواية ليست عن إسبانيا وحدها، بل عن الإنسان في مواجهة ما لا يقاومه.
● ما بين السطور: الهواجس الخفية التي لم يصرّح بها همنغواي
○ نقد مبطّن للرومانسية الثورية:
رغم أن همنغواي قدّم روايته كعمل مناصر للجمهوريين، يحمل النص نفساً سوداوياً يفكك أسطورة “الحرب العادلة” من داخلها. عبر تفاصيل مثل إعدام الفاشيين برميهم من حافة الجبل في مشهد بيلار المرعب الجمال، أو صرخة الحصان الجريح التي تقلق ضمير جوردان أكثر مما تقلقه دماء البشر، يبدو أن همنغواي يقول بصوت خافت: لا أبطال هنا، فقط ضحايا وجلادون يتبادلون الأدوار. هذا الموقف كان يتعارض مع الخطاب اليساري السائد الذي روّج للحرب كملحمة بطولية، وكان همنغواي يعرف ذلك حين يكتب، وكان يكتب رغم ذلك.
○ المثالية الأمريكية في مواجهة الفساد الأوروبي:
روبرت جوردان الأكاديمي الأمريكي الذي يقاتل في أرض غريبة هو ربما القناع الذي يلبسه همنغواي نفسه ليرى ذاته من الخارج. كما ذهب همنغواي إلى إسبانيا يحمل حلم “إنقاذ الديمقراطية”، ذهب جوردان بحقيبة متفجرات وأوهام. لكن الرواية تُظهر كيف تحطم أوروبا بفسادها السياسي وصراعاتها القديمة براءة من جاء من بعيد مؤمناً بأن الحق يكفي وحده. سخرية بابلو من جوردان ليست سخرية خائن، بل سخرية رجل تعلّم الدرس بثمن أغلى مما يستطيع جوردان تخيّله.
○ الجسد الأنثوي كاستعارة سياسية:
علاقة جوردان بماريا ليست قصة حب تقليدية. ماريا التي تعرضت للاغتصاب الجماعي على يد الفاشيين تتحول إلى رمز لإسبانيا المنتهكة. لكن همنغواي يترك السؤال الأصعب معلقاً دون إجابة: هل علاقتها بجوردان هي تحرر فعلي أم استبدال مغتصب بآخر لا يدري؟ حين تُخفي ماريا ندوب جسدها ثم تُظهرها كأنها وسام شرف، يلمح الكاتب إلى أن الحرب لم تترك شيئاً بريئاً لا الأجساد ولا العلاقات ولا حتى الحب.
○ الخيانة كقانون كوني:
خيانة بابلو للمجموعة ليست حدثاً درامياً عارضاً، بل هي الفلسفة الكامنة في عمود فقري النص. همنغواي يرصد بصبر ظاهرة الخيانة في كل مستوياتها: الخيانة السياسية حين تُضحي موسكو بالجمهوريين لحسابات دبلوماسية، والخيانة العاطفية حين يُوظّف جوردان علاقته بماريا لملء فراغه الوجودي أكثر من ملء فراغها الجريح، وحتى الخيانة الذاتية حين يتحول الأكاديمي إلى متفجر محترف. جملة بيلار في الرواية تختزل كل ذلك: “الثورة تلد الخونة مثلما تلد الأرض الفطر”. ليست لوماً، بل قانون طبيعي لا مفر منه.
○ نبوءة مُشفّرة للفاشية العالمية:
حين كتب همنغواي روايته عام 1940، كان يعرف أن ما حدث في إسبانيا لم ينتهِ في إسبانيا. تشبيهه للزعيم الفاشي بـ”الكلب الضال الذي يلعق دماءه” كان تحذيراً لمن يقرأ أن انتصار الفاشية في مكان واحد هو بداية وباء لا حدود جغرافية له. وفي مشهد تذكّر جوردان انتحار والده، ثمة قراءة ممكنة لا تبحث كثيراً: همنغواي الابن الذي رأى في والده شبح العجز، وهمنغواي الكاتب الذي كان يحدّق في مرآة المستقبل.
●● الخاتمة: الناقوس الذي لا يصمت:
بعد أكثر من ثمانية عقود على نشرها، تظل “لمن تقرع الأجراس” رواية تأبى أن تستقر في الماضي. ليس لأنها وثيقة تاريخية عن حرب إسبانيا، بل لأن الأسئلة التي تطرحها لا تنتمي إلى زمن بعينه. كيف يعيش الإنسان بكامل إنسانيته وسط ما يُدمّر الإنسانية؟ كيف يحب في الوقت المستعار؟ كيف يصمد أمام سؤال المعنى في عالم يبدو مصمّماً على نقض كل إجابة؟
همنغواي لم يُجب على شيء من هذا. اكتفى بأن يجعلنا نشعر بثقل السؤال. وربما هذا هو الأدب العظيم في أكثر تعريفاته دقة: لا يمنحك إجابات، يمنحك أسئلة لم تكن تعرف أنها كانت تسكن فيك.
الجسر يتداعى. جوردان يبقى وحيداً. الأجراس تقرع. ولكل بشري يسمع نداءها.
=======
● نبذة عن همنغواي: السيرة الذاتية لأسطورة بين الحرب والكتابة
وُلد إرنست همنغواي في 21 يوليو 1899 في أوك بارك بإلينوي لأسرة من الطبقة المتوسطة العليا. أبوه طبيب جراح ذو ميل للعلوم الطبيعية وهواية الصيد. أمه مغنية أوبرا طموحة أصرّت على تعليم ابنها التشيلو رغم كرهه الصريح له. هذا التناقض البيتي بين الأب الخارجي الحسي والأم الفنانة المسيطرة شكّل أولى تشققات شخصية رجل ستتشقق أكثر مع كل سنة تمر.
في السادسة عشرة، هرب من قيود البيت إلى غرفة تحرير جريدة كانساس سيتي ستار حيث تعلّم القاعدة التي ستبقى معه: “اكتب جملة بسيطة تحمل الحقيقة”. لكن الحرب العالمية الأولى منعته من الانضمام إلى الجيش بسبب مشكلة في إحدى عينيه، فتطوع سائقاً للإسعاف في الجبهة الإيطالية. في 1918، أصابته شظايا كثيرة أثناء إنقاذه لجندي إيطالي، وبقيت بعضها في جسده حتى مات. الحرب حوّلته، لكنها لم تُنضجه بالطريقة التي تُنضج فيها السعادة أنضجته كما تنضج الحرارة الحجر، قاسياً من الخارج وكثير الشقوق من الداخل.
في باريس ما بعد الحرب، انضم إلى دائرة المغتربين الأمريكيين، وصادق جيرترود شتاين وفيتزجيرالد وصنع هناك أسلوبه الأدبي الذي عُرف لاحقاً بـ”نظرية الجبل الجليدي”: ما لا يُقال يثقل ما يُقال.
زيجاته الأربع كانت كل واحدة منها بداية مصالحة مع العالم سرعان ما تتحول إلى حرب جديدة. ماراته الصحفية مارثا جيلهورن، التي شاركته تغطية الحرب الإسبانية، فهمت ربما أكثر من غيرها طبيعة الرجل الذي يُقاتل أكثر مما يعيش.
في سنواته الأخيرة، أصبح كاريكاتيراً مؤلماً للبطل الذي اخترعه: إدمان على الكحول، اكتئاب مزمن، علاج بالصدمات الكهربائية دمّر ذاكرته وأطفأ قدرته على الكتابة القدرة الوحيدة التي ميّزته عن كل ما عداه. في الثاني من يوليو 1961، أنهى حياته ببندقية صيد في أيداهو. ترك وراءه أعمالاً تبقى لأنها كُتبت بدم حقيقي لا بحبر.
========
أهم أعماله: “الشمس تشرق أيضاً” (1926)، “وداعاً للسلاح” (1929)، “لمن تقرع الأجراس” (1940)، “العجوز والبحر” (1952) الذي أكسبه جائزة نوبل عام 1954.
======
والى كتب وروايات أخرى قريبا ان شاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى