
بقلم : أمين بوعدول
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها المغاربة الأحرار، أيها الغيورون على دينهم وهويتهم..
أيام قليلة مضت، واهتزت مراكش على وقع مشهد صادم: عشرات من اليهود المتشددين (الحريديم) يؤدون صلاة جماعية أمام سور باب دكالة التاريخي، بلباسهم الديني، وكأننا أمام “حائط المبكى” في القدس المحتلة، لا في قلب مدينة مراكش المغربية.
انتشرت المقاطع بسرعة البرق، وأثارت غضباً شعبياً واسعاً، لكن سرعان ما ظهرت أصوات مبررة ومدافعة، تحاول تطبيع المشهد وتجريده من أي رمزية سياسية أو دينية.
هذا المنشور ليس لتسجيل الحدث فقط، بل لكشف الوجه الآخر: كيف يتم توظيف “الغطاء الديني” لتمرير استفزازات مخطط لها، وكيف يتم خداع الرأي العام بحجج واهية.
📜 أولاً: ماذا حدث بالضبط؟
يوم الثلاثاء 21 أبريل 2026، توقفت حافلة سياحية بالقرب من سور باب دكالة التاريخي بمدينة مراكش. نزل منها عشرات من اليهود المتشددين (الحريديم)، واصطفوا في صفوف منتظمة، وشرعوا في أداء صلاة “المعاريف” (إحدى صلواتهم اليومية) أمام السور مباشرة. قاموا بالترتيل والركوع والسجود، في مشهد يذكرنا مباشرة بـ “حائط المبكى” في القدس المحتلة.
انتشرت المقاطع كالنار في الهشيم، وأثارت موجة غضب عارمة بين المغاربة الذين رأوا في هذا المشهد تطبيعاً للاستفزاز، وتجاوزاً لكل الخطوط الحمراء، ومحاولة لفرض واقع جديد على أرض الواقع تحت غطاء “حرية العبادة”.
🎭 ثانياً: أصوات الدفاع – “المبررات” التي لا تخدع إلا الضعفاء
لم تمر ساعات حتى ظهرت أصوات تحاول تبييض المشهد وتجريده من أي دلالات خطيرة. أبرز هذه الأصوات كانت لشخصيات يمينية يهودية مغربية، روَّجت لثلاث مغالطات كبرى، نعرضها ونفندها بالدليل:
المغالطة الأولى: “كانت مجرد صلاة في وقتها، لا داعي للتأويل”
الرواية: قال رئيس الطائفة اليهودية بمراكش، جاكي كادوش، إن المجموعة كانت تضم زواراً أجانب (حريديم) ضاق بهم الوقت، ولم يتمكنوا من الوصول إلى الكنيس، فصلوا عند السور حتى لا تفوتهم الصلاة. وزاد بعض المدافعين بأن “اليهود لا يؤخرون الصلاة عن وقتها، مثلما يفعل المسلمون أحياناً فيوقفون سياراتهم ليصلوا في الطريق”.
تفنيد المغالطة:
· أولاً: المسلم الذي يصلي في الطريق لا يختار مكاناً ذا رمزية تاريخية وسياسية عظمى. هو يصلي حيث توقف، في أي شارع عادي. أما هؤلاء، فاختاروا سور باب دكالة تحديداً، وهو سور تاريخي يعود للعصر المرابطي (أسسه يوسف بن تاشفين سنة 1070م)، وكانت له وظائف دفاعية وإدارية. لم يختاروا أي رصيف عادي.
· ثانياً: لو كان الهدف هو أداء الصلاة فقط، لكان بإمكانهم الصلاة في أي مكان بعيد عن الأنظار، أو داخل الحافلة نفسها. لكنهم خرجوا، واصطفوا، وظهرت عليهم ملامح الطقس التعبدي الجماعي الذي يحمل رمزية دينية وسياسية عالية. هذا ليس “صلاة في الوقت”، هذا استعراض مقصود.
· ثالثاً: لماذا لم يسبق أن سُجل مثل هذا المشهد من قبل؟ لماذا الآن، بعد التطبيع، وبعد تصريحات بن غفير؟ إنها ليست مصادفة، بل هي حلقة في سلسلة مخطط.
المغالطة الثانية: “السور مجرد حاجز، لا رمزية له، مثلما المسلمون لا يتركون أحداً يمر أمامهم”.
الرواية: دافع البعض بأن اليهود وقفوا أمام السور فقط ليكون “حاجزاً” يمنع المارة من المرور أمامهم أثناء الصلاة، كما يفعل المسلمون أحياناً حين يصلون في مكان عام ويضعون أمامهم شيئاً كسترة. وذهبوا إلى أن السور لا يحمل أي رمزية دينية أو سياسية بالنسبة لهم.
تفنيد المغالطة:
· أولاً: المسلم يضع سترة أو حقيبة أمامه ليحدد مكان سجوده، لا ليصنع منه “جدار مبكى” . الفرق شاسع بين منع المرور وبين تحويل سور تاريخي إلى قبلة وصلات جماعية.
· ثانياً: هؤلاء اليهود هم من تيار الحريديم (اليهود المتشددين)، وهم أكثر من يعطون رمزية مطلقة لحائط المبكى في القدس. هل يعقل أن يأتوا إلى مراكش ويختاروا سوراً تاريخياً ليقفوا أمامه في صفوف منتظمة، ثم يقولوا لنا “لا رمزية له”؟ هذا سخرية بالعقول.
· ثالثاً: السور ليس مجرد جدار، هو سور مدينة، له تاريخ وحضور في الوجدان المغربي. اختياره ليس عبثياً، بل هو محاكاة متعمدة لمشاهد “حائط المبكى”، بهدف اختبار مدى قدرة المغاربة على تقبل هذا الاستفزاز، وتمرير فكرة أن “كل الجدران” يمكن أن تكون “قبلة”.
المغالطة الثالثة: “قبلتهم هي القدس، مثلما قبلتنا الكعبة، فلا علاقة للسور بذلك”.
الرواية: قال المدافعون إن اليهود يتجهون في صلاتهم نحو القدس، وليس نحو السور، وأن السور لا علاقة له بقبلتهم، وأن الأمر بريء تماماً.
تفنيد المغالطة:
· أولاً: صحيح أن اليهود يتجهون نحو القدس في صلاتهم. لكن السؤال: لماذا وقفوا أمام هذا السور تحديداً؟ هل كان هناك سور آخر أو جدار آخر في مكان آخر؟ هل كانت القبلة تمنعهم من الصلاة في فضاء مفتوح؟ بالطبع لا.
· ثانياً: تكمن الرمزية في أنهم وقفوا أمام جدار حجري، في صفوف منتظمة، في مشهد يكرس في الأذهان فكرة أن “الجدار” (أي جدار) يمكن أن يكون مكاناً للتجمع الديني والوطني. هذا هو الاستهداف الرمزي بعينه.
· ثالثاً: لو كانت القبلة فقط هي ما يهم، لكانوا صلوا في أي مكان يتجه نحو الشرق. لكنهم تعمدوا تصوير المشهد ونشره، ليصل إلى العالم صورة “يهود يصلون عند سور مراكش” . هذا هو الهدف الإعلامي، وليس الهدف التعبدي.
هذه المغالطات الثلاث (الضيق في الوقت، السور كحاجز، القبلة هي القدس) هي غطاء واهٍ يحاول إضفاء الشرعية على استفزاز مخطط له بعناية. لا تنخدعوا بها.
🐍 ثالثاً: من أين جاء هذا المخطط؟ – تصريح بن غفير وخلفيته التاريخية
لفهم الحدث، يجب ربطه بما سبقه من تصريحات وتصعيد.
تصريح إيتمار بن غفير: إعلان النوايا
قبل شهور من هذا الحدث، صرح وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير بتصريح صادم، قال فيه:
“أجدادنا هم السكان الأوائل والأصليون للمغرب، وهم من أسس مدينة مراكش، ومن حقنا نحن الأحفاد العودة إليها في حالة انهيار دولة إسرائيل”.
هذا التصريح ليس مجرد رأي عابر، بل هو:
· تزوير للتاريخ: فمراكش أسسها المرابطون الأمازيغ سنة 1070م، وكانت من أعظم حواضر الإسلام، ولم يكن لليهود أي دور في بنائها.
· إعلان نوايا توسعية: يصرح بذلك وزير في حكومة الاحتلال، وليس مجرد متطرف عادي.
· تذكير بـ”خطة المغرب” القديمة: يعيد إحياء فكرة “الوطن البديل” التي طرحها هرتزل سنة 1903.
“خطة المغرب” 1903 – جذور الفكرة
في 20 يوليو 1903، اقترح تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، إقامة دولة يهودية في منطقة وادي الحصان بجنوب غرب المغرب، وذلك بعد أن رفض “خطة أوغندا”. الفكرة كانت: “وطن انتقالي” أو “وطن بديل” في حال تعثر المشروع في فلسطين.
التصريحات الحالية، وهذه الصلاة عند السور، هي تجسيد حي لهذه النية التاريخية، التي لم تمت، بل أعيد إحياؤها تحت غطاء “التطبيع”.
🧩 رابعاً: كيف يندرج هذا الحدث في شبكة تفكيك الهوية؟
هذا المشهد ليس حدثاً معزولاً، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة ضمن شبكة تفكيك الهوية المغربية التي نكشفها تباعاً:
الذراع /الأداة/ الهدف
الاستيطان الرمزي⬅️ الصلاة عند سور باب دكالة⬅️ تطبيع فكرة أن المغرب “أرض مباحة” للإسرائيليين
التطبيع الثقافي⬅️ تصريحات بن غفير، رواية “الموتشو” لأوريد⬅️ ترسيخ فكرة أن اليهود “أصل” المغرب.
الإعلام المأجور⬅️ ميد راديو وبرنامج “ناس الملاح” ⬅️ترويج “التسامح” مع الاحتلال كقيمة عليا
المخطط الديموغرافي ⬅️استغلال العزوف عن الزواج⬅️ تغيير التركيبة السكانية عبر الزواج المختلط
هذه ليست صلاة عابرة. هذا اختبار لقدرة المغاربة على تقبل الاستفزاز، وتمهيد لمراحل أخطر. بدأوا بالصلاة عند السور، وقد يصلون غداً إلى المطالبة بـ”حقوق تاريخية” أو “مناطق خاصة”.
🛑 خامساً: ماذا نفعل؟ – موقف حازم لا يقبل التراجع
1. رفض التبريرات الواهية:
لا تقبل بأن “الصلاة في الوقت” أو “الحاجز” أو “القبلة” مبررات لهذا الاستفزاز. هذا كذب ومكر وخداع، يهدف إلى خداع ضعاف النفوس والعقول. السور ليس حاجزاً، والقبلة ليست عذراً، والوقت ليس مبرراً. هذا استعراض قوة تحت غطاء ديني.
2. مقاطعة الأبواق الإعلامية المبررة:
· قاطع ميد راديو وبرنامجها “ناس الملاح” ، الذي يروج لهذا النوع من التطبيع.
· قاطع Le360 وشوف تيفي و2M، التي سكتت أو بررت.
· لا تتفاعل مع المحتوى الذي يحاول تبييض هذا المشهد.
3. الضغط على المسؤولين:
· طالبوا البرلمان والمجلس العلمي الأعلى بإصدار بلاغ رسمي يستنكر هذا الاستفزاز ويؤكد هوية المغرب الإسلامية.
· طالبوا وزارة الداخلية بمنع تكرار مثل هذه المشاهد، ومنع تحويل المعالم التاريخية إلى “قبلة” لطقوس دخيلة.
· طالبوا وزارة الخارجية بتوضيح موقفها من تصريحات بن غفير، ورفضها بشكل رسمي لا يقبل التأويل.
4. المقاطعة الاقتصادية:
· قاطعوا الشركات الإسرائيلية العاملة في المغرب (ناطافيم، إلبيت سيستميز، بازان).
· قاطعوا الفنادق والمطاعم التي تستقبل السياح الصهاينة.
· قاطعوا المنتجات الداعمة للتطبيع.
5. الدعاء واللجوء إلى الله
لا نستهين بالسلاح الغائب. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11].
🏁 الخاتمة
أيها المغاربة الأحرار،
هذا المشهد ليس مجرد “صلاة يهود في مراكش”. هذا هو تطبيع الاستفزاز الذي يحمل في طياته نوايا توسعية خطيرة، ويذكرنا بأن “خطة المغرب” لم تمت، بل أعيد إحياؤها تحت غطاء التطبيع و”حرية العبادة”.
نحن أمام عدو ذكي، يستغل الدين والطقوس لتمرير أهداف سياسية. وعلينا أن نكون أكثر وعياً وذكاءً منه.
لا تنخدعوا بالتبريرات الواهية. لا تقبلوا أن تكون معالم مدنكم “قبلة” لدخيل. لا تصمتوا على استفزاز مخطط له بعناية.
{وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120].
وحسبنا الله ونعم الوكيل على كل من يريد ببلادنا سوءاً، من داخليهم وخارجيهم.





