تغريدة فظة وعربدة زائدة للرئيس الفرنسي ماكرون

بقلم أبو أيوب

    على إثر تغريدة للرئيس الفرنسي ماكرون ، و التي حث من خلالها بصيغة الأمر السلطات المغربية على الإسراع في اتخاذ كل ما يلزم … من أجل تسريع وتيرة إجلاء الفرنسيين الذين تقطعت بهم السبل بالمغرب ، للإشارة سرعان ما تم التجاوب معها ، عجت مختلف المنابر الإعلامية و وسائل التواصل الإجتماعي برسائل تنديد و شجب للتغريدة الفظة الماكرونية ، بينما لزم المسؤولون المغاربة الصمت و ساد صمت القبور و كأن على رؤوسهم الطير ، حيث اختفت العربدات و العنتريات التي ما فتئ البعض منهم يلوكها بمناسبة أو بدونها توجه في مجملها للإستهلاك الداخلي .

    ثلة من المفكرين و المدونين و بعض من المحامين … المغاربة انبروا للرد و التنديد مسجلين شجبهم و امتعاضهم من تخادل و خنوع الطبقة السياسية بكل تلاوينها الحزبية ، فأصبحوا من خلال تدخلاتهم و مرافعاتهم أكثر سلطوية من السلطات العمومية نفسها رغم أن التغريدة لم تعنيهم مباشرة ، بالتالي أمست التدخلات لا تعدو إلا نتاجا لتسجيل مواقف قد تكون من باب المزايدات السياسوية لرفع العتب في زمن العبث و العهر السياسي .

    البعض منهم دفع بخلو التغريدة الماكرونية من أية لباقة ديبلوماسية في التعامل مع البلدان الصديقة ، ملفتا النظر إلى كون المغرب بلدا ذا سيادة نال استقلاله منذ ما يربو عن ستين سنة خلت ، سواء بوعي منه و إدراك أو بدونه ، التاريخ يذكره بأن المغرب لم يكن قط مستعمرة لفرنسا بل رزح تحت حماية فرنسية منذ 1912 و حتى حدود 1956 ، يومها غادرتنا ماما فرنسا تاركة الأذناب و الأدوات ، بالتالي يمكن احتساب ما حشى به البعض شجبه و غلف به تنديده إما مزايدات أو مغالطات باسم الوطنية و حب الإنتماء .

    فيما البعض الآخر تساءل بنبرته التنديدية عن قدرة الرئيس ماكرون من عدمها في مخاطبة الرئيس الأمريكي ترامب بنفس النبرة و الأسلوب الخالي من أية لباقة ديبلوماسية ، و هذا أمر لا يجادل فيه اثنان من أن ماكرون لن يقدم على الإطلاق على مخاطبة ترامب بنفس اللهجة التي صفع بها السلطات المغربية ، لسبب وحيد أوحد هو أن لا مقارنة بين المغرب و أمريكا في ظل وجود الفارق .

  • أمريكا ( دولة عظمى ) إقتصاديا و عسكريا و زعيمة العالم الديموقراطي الحر و فرنسا من بين أدواته و تأتمر بأوامرها ، رغم أن التاريخ يشهد بأن لا تاريخ لأمريكا ” USA has no history” ، ما عدا تاريخ دموي بنته على أجساد الهنود الحمر و آخر أرخ لاستعمار فرنسي إسباني بريطاني عرفته بعض الولايات ، و من بعد اشتعلت الحرب الأهلية بين الشمال و الجنوب وصولا إلى شراء ولايات ” التيكساس من المكسيك مثال ….” .
  • المغرب ( دولة عظيمة) بتاريخها و حضارتها الضاربة في أعماق التاريخ الذي يشهد لها أنها أول بلد يعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية ، لكنها في المقابل ضعيفة إقتصاديا و عسكريا قياسا بالأولى علاوة على انتمائها للعالم الثالث ، إنتمائها للخط السياسي و الإقتصادي للمعسكر الغربي و دورانها في الفلك الأمريكي لا يقيها من بعض الهزات و الإرتدادات الخارجية ” أزمة جزيرة البقدونس ( ليلى) مع إسبانيا و اصطفاف أمريكا إلى جانبها مثال، يومها تدخل وزير الدفاع آنذاك الجنرال كولين باور ليفرض على المغرب الإمتثال للرؤية الإسبانية “.
    سمة اللحظة و عنوانها بالبنط العريض إستمرار الإستفزاز و التطاول من كل حدب و صوب ، بحيث لا تنطفئ جدوة استفزاز إلا و تظهر بوادر ابتزاز :
  • الأزمة المتفاقمة الغير معلنة رسميا بين المملكتين الجارتين إسبانيا/ المغرب ، و التذبذبات التي تعتري علاقات البلدين لا يمكن حصرها إلا ضمن إطار ما تعيش على وقعه الجبهة الداخلية المغربية من تصدع و بلقنة و هشاشة إجتماعية و اقتصادية ، رغم النفي الرسمي و التظاهر بعكس ما يفصح عنه الواقع تبدو الصورة واضحة جلية لأعين المراقبين .
  • التصريحات الأخيرة للرئيس الموريتاني فيما يتعلق بنزاع الصحراء مثال آخر عن الإستفزازات التي يتعرض لها المغرب في الوقت الراهن ، ناهيك عما يصدر من تصريحات رسمية جزائرية و جنوب إفريقية … و ليس آخرها ما يقوم به البوليساريو من تثبيت للإدارة و إعمار للمناطق الواقعة شرق الجدار الدفاعي المغربي ” تنقيل لما يسمى بوزارة الدفاع و البرلمان الصحراوي إلى بير لحلو و تيفاريتي مثال “، تطورات متلاحقة عبر بشأنها بعض المتدخلين و المحللين السياسيين المغاربة ، بأن المغرب لا يولي أي اهتمام للتصريحات الموريتانية على سبيل المثال ، متذرعين بأنها دولة ضعيفة تعيش تحت وقع ضغوطات جزائرية … بالتالي لا تستحق الرد و التعقيب ، هنا أود طرح السؤال ، و ماذا عن دولة بانما الميكروسكوبية عندما هددها السيد الوزير المنتذب في الخارجية المغربية ؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بالحفاظ على سياسة حسن الجوار و الحكمة و التبصر … ؟ 

    بالعودة لصلب الموضوع ، التاريخ المعاصر يشهد بأنها ليست المرة الأولى التي تستفز فيه السلطات الفرنسية نظيرتها المغربية و على أعلى المستويات . كل الجمهوريات التي تعاقبت على السلطة بفرنسا لها نصيب من تطاول و ابتزاز و في بعض الأحيان يرقى الأمر إلى ابتزاز ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

  • الازمة السياسية التي أرخت بظلاها على العلاقات الثنائية المتميزة بين الدولتين الحليفتين ، بين المتوفى الجنرال دوكول و المرحوم العاهل الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه ، على إثر تفجر قضية اختطاف المعارض المغربي المهدي بن بركة …
  • الأزمة التي اندلعت أواخر الثمانينيات بين الرئيس المتوفى ميتران و العاهل الراحل على إثر التصريحات الفرنسية الرسمية المعادية في مختلف وسائل الإعلام الفرنسي ، خصوصا ما تعلق منها ببناء مسجد الحسن الثاني بالبيضاء مثال .
  • الأزمة التي نتجت عن محاولة اقتحام مقر السفارة المغربية من طرف الشرطة الفرنسية قصد تبليغ استدعاء لمسؤول أمني رفيع المستوى على إثر شكاية للقضاء الفرنسي تقدم بها الملاكم المغربي زكريا المومني …
  • تصريحات السفير الفرنسي الممثل الدائم لبلده في مجلس الأمن الدولي ، و التي وصف فيها علاقات فرنسا بالمغرب كعلاقة الرجل بخليلته “علاقة حب و رغبة في مضاجعة و إجبارية توفير الحماية لها “.

    لكل هذا ما كان لزاما علي البعض منا أن ينزعج من بعض الخرجات للمسؤولين الفرنسيين ، تصريحاتهم ألفناها و تعودنا عليها منذ أمد بعيد ، قد يقول البعض بدافع الحفاظ على الشراكة الإقتصادية و السياسية التي تجمع الطرفين ، بينما أفصح على أن الأمر يتعلق بعدم إزعاج ماما فرنسا حاميتنا و المدافعة عنا في المنتظم الدولي و مجلس الأمن ، أي بما معناه دفاع و توفير حماية يقابله ابتزاز و استفزاز و نهب ثروات ، أو رضوخ و خنوع و انبطاح لنزوات و لكل شيء ثمنه ، فماذا تغير بين الأمس و اليوم ؟ أو ما الفرق بين حماية رسمية “officielle” سجلها التاريخ منذ 1912 و حماية شبه رسمية “officieuse” يسجلها الواقع اليوم ؟

    مجرد أسئلة بريئة لمن انبروا مشكورين للدفاع و الشجب و التنديد … في الوقت الذي لزم فيه الرسميون المغاربة الصوم عن الكلام و ساد صمت القبور و سكتت شهرزاد عن الكلام المباح على انبلاج ضوء الصباح ، و إلى مقال آخر انتظارا للمرتقب من استفزاز و ابتزاز في مقبل الأيام .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خبر سار : عائلة الشابة التي عرضت قضيتها على صفحة”سيدي بنور نيوز” تدخل على الخط

  دخلت عائلة الشابة التي اختارت الصفحة الرسمية “لسيدي بنور نيوز” من أجل ايصال صوتها ...