الواجهةمجرد رأي

تغول السياسة على الشعب

مسرور المراكشي :

تمهيد :

لم تكن السياسة في هذا البلد متغولة على الشعب إلى هذا الحد كما هي عليه اليوم، قبل الاستعمار الفرنسي كان المغربي على الأقل يتمتع بهامش كبير من الحرية، دعكم من الكلام عن الجانب النقابي و السياسي أي حرية التعبير وغير ذلك، الحديث هنا عن النوم فقط أي السلوك البشري الطبيعي البيولوجي، أقصد بالضبط تحديد وقت النوم عند المواطن ثم وقت الاستيقاظ كذلك، حيث كان الفلاح المغربي يضبط وقته بكل حرية و استقلالية، ينام باكرا و يستيقظ باكرا حسب ظروف العمل، وحتى بعد دخول المحتل حافظ على هذا المكتسب الإنساني، طبعا هناك استثناء حيث كان المحتل يفرض توقيت النوم و الاستيقاظ، وذلك عند حدوث اضطرابات أمنية تهدد وجوده، إعلانه مثلا حالة الطوارئ والأحكام العرفية، عندها يفرض حظر التجول من الساعة كذا إلى الساعة كذا، لكن خارج هذه الظروف الاستثنائية،
بقي الشعب المغربي محافظا على مكتسب حرية النوم و اليقظة متى شاء، إلى أن جاء موعد “الاستقلال” المبارك، عندها بدأت الدولة بالتراجع تدريجيا عن هذا المكسب التاريخي، إلى أن أصبح المواطن اليوم في قبضة المركزية المتغولة، يستيقظ و ينام حسب توقيت الرباط وسلا و ما جاورهما، أرأيتم كيف تغولت السياسة إلى درجة التحكم في مسألة النوم و اليقظة…!!، أنا هنا أتحدث عن السياسة بشكل عام لا عن أشخاص معينين …

_ ” الساعة لله” (بدل ساعة بأخرى) هذه بلاغة الدارجة المغربية :

قد يعتقد المواطن رحال بن اجيلالي الزمراني، أن الكلام عن غلاء الاسعار أولى من إثارة موضوع الساعة و النعاس، وهذا صحيح إلى حد ما لكن على المواطن أن يعلم خطورة الأمر، إن من بين أقسى أساليب تعذيب المقاومين الفلسطينيين، هي حرمانهم من النوم في سجون الاحتلال لعدة أيام، ثم إن الله عزوجل ذكر النوم في آية الكرسي : (.. الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم.. )، يعني أن كل من خلق الله يحتاج إلى النوم إلا رب العالمين، عودة إلى بلاغة و إعجاز الدارجة المغربية، عندما يقول لك المغربي : ( بدل ساعة بأخرى )، فلا تجادل بعد ذلك ولا تناقش ياعلي، لأن صبره أوشك على النفاذ و لسلامتك البدنية انسحب فوراً، أرأيتم إعجازا في إيجاز الدارجة المغربية ثلاث كلمات فقط كافية، لشرح الحالة النفسية و العصبية لمن تخاطب من المغاربة، وفي حالة الاعتذار تكفي كلمتان ( الساعة لله)، عندما يتفوه شخص بكلام نابي أو يصدر عنه تصرف غير لائق، أو يتخذ قرارا خطأ يتسبب في ضرر للغير، وهذا ما فعله بالضبط رئيس الحكومة الحالية عند إعلانه عودة الساعة القانونية، حيث ظهر فجأة في ثوب السياسي التائب و النادم، وقال في هدوء و وقار : ( بعد الاستماع لطلبات المواطنين..)، يقصد احتجاجات المواطنين على الساعة غير القانونية، حيث اجتمع كما قال مع أعضاء حزبه و أحزاب الأغلبية، وظهر لهم ضرر تغيير الساعة على صحة المواطنين، طبعا حدث ذلك بعد اقتراب انتهاء ولاية حكومة الباترونا، تمت إضافة الساعة رسمياً بشكل منتظم ابتداءً من عام 2008، ليعتمد التوقيت الجديد لاحقاً طوال السنة منذ أكتوبر 2018، لقد بحت أصوات نشطاء المجتمع المدني والسياسي ولم يتبق إلا العسكري، مطالبين بالعودة إلى الساعة القانونية ولا من يستمع، و كأني برؤساء الحكومات قد صمو أذانهم، وجعلوا فيها قطنا و قطعا من الفلين، لكن الحمد لله مع اقتراب موعد الانتخابات زال الفلين والقطن، وبذلك استمع رئيس الحكومة إلى مطلب العودة إلى الساعة القانونية، ولسان حاله يقول : (سمحو لينا “الساعة لله” )..!!

خلاصة :

لن أدخل في المناكفات السياسية بين الحكومة، ونشطاء المجتمع المدني و أحزاب المعارضة، حول أولوية إرجاع الملايير المنهوبة من المال العام، قبل الحديث عن إلغاء الساعة غير القانونية والعودة للقانونية، لأن هذا الأمر من صلاحيات القضاء الإداري والمجلس الأعلى للحسابات، لكن ما يهمني هو أن الشعب المغربي سعيد بعودة الأمور إلى طبيعتها، أخيرا نوم هادئ في ليل طويل منحة من الله في الفصول الباردة، وفي الصيف يصبح الليل قصيرا والنهار طويلا، إن الذي أثار انتباهي هو استخفاف الحكومات المتعاقبة بالرأي العام، منذ حوالي 18 عام من الاحتجاجات على هذه المصيبة، ولم تحل إلا بسبب اقتراب موعد الانتخابات، والسؤال : هل راحة الشعب المغربي أصبحت مجرد ورقة أو شعار انتخابي..؟ إنها رسالة إلى من لازال يعتقد أنه بعيد من السياسة، أقصد تيار الشيخ محمد عبده : ( أعوذ بالله من السياسة ومن ساس يسوسو و سائس و مسوس )، ليكن في علمك أخي الكريم أن حتى وقت نومك و استقاظك قرار سياسي، يا صديقي إن السياسة في هذا البلد تمشي حسب مزاج المسؤولين الكبار، يستيقظ المسؤول ذات صباح و مزاجه جيد، وبعد أن يجري تمارين رياضية و يعود إلى البيت، ثم يقرر إضافة ساعة ليستيقظ الشعب باكرا و يقوم بحركات رياضية، وهكذا تعلن الحكومة التوقيت الجديد، و تبرر ذلك بأن هذا الإجراء فيه فائدة صحية واجتماعية واقتصادية…، ثم يتراجع المسؤول عن هذا القرار بعد تعكر مزاجه، بعدها تعلن الحكومة عن العودة إلى الساعة القانونية، و تكفر بما قالته عن مزايا التوقيت الجديد من (صحة واقتصاد و بقولة و زعلوك…)، في الحقيقة يخيل إليك أحيانا أننا نعيش في ضيعة يسيرها بعض الأشخاص، متى نصل إلى مستوى دولة تحترم مواطنيها، و ألا نصبح رهائن عند مزاج بعض المسؤولين…، أقول للشعب المغربي لا تفرح كثيرا، فلربما تعود الساعة غير القانونية من جديد، من يدري بعد حكومة أو حكومتين أو ثلاث يحدث ذلك، المهم لا شيء مضمون وثابت في هذا البلد يا حمادي…

_ ملاحظة :

إن العودة إلى الساعة القانونية ليس فقط مسألة انتخابية، لا بل هو قرار منطقي بالواضح لقد تم تجفيف مصادر الثروة، باختصار لم يعد هناك شيء يمكن سرقته، لفراقشية احتلوا البر والبحر و استفادوا من المحروقات و المخبوزات، المهم قضي الأمر سواء عادت الساعة القانونية أو لم تعد، يمكن لك الٱن أيها الشعب المغربي أن تنام قرير العين، ولا تسأل عن الملاييييير المنهوبة تحذير : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، بالدارجة ( سير بدل ساعة بأخرى )….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى