تفاحة الغصة والمغص

بقلم أبو أيوب

    هي خلاصة الإنتخابات الرئاسية الجزائرية التي فاز فيها المرشح عبد المجيد تبون، رغم المؤاخدات وما شاب العملية الإنتخابية من جدال وأخد و رد، تبقى في الأخير تجربة أثبتت مصداقيتها ولو بشكل نسبي جزئيا، لذا فماما فرنسا، وبمجرد الإعلان عن النتائج، لم يستقم لها حال واشتد سعارها وهي اليوم متحسرة مرتابة ومتخبطة . 
    قصة التفاحة تعود بنا سنوات إلى الوراء عندما كان الفائز في انتخابات الجزائر مجرد وزير أول أو لنقل رئيس الحكومة، حيث وقف سدا منيعا في مواجهة استيراد التفاح من فرنسا، آنذاك كانت ماما فرنسا عبر وزيرها في الفلاحة تملي على الجزائر بضرورة استيراد فائض إنتاج محصول التفاح الفرنسي حماية لمكتسبات وحقوق المزارعين الفرنسيين … إمتعاض فرنسا وفي ظل حكم العصابة أدى في الأخير بدفع الجزائر إلى الإستغناء عن خدمات السيد تبون وإقالته من منصبه بعد حوالي ثلاثة أشهر على تنصيبه . 
    اليوم أغلب الدول تهنئه على فوزه برئاسيات الجزائر بما فيها أمريكا وروسيا وجل الدول العربية والإسلامية، ما عدا السيد ماكرون وبعض ممن يدورون في الفلك “المغرب مثال في ظل صمت رسمي مطبق”، فبين مشكك في العملية الإنتخابية برمتها وبين معارض على إجرائها وأخر طاعن في نزاهتها تبقى الحقيقة هي هي، نجاح التجربة ولو كره الكارهون إيذانا باستكمال بزوغ فجر جديد بمنطقة شمال غرب إفريقيا . 
    الفضل كله راجع إلى صلابة العمود الفقري لكل أمة من أمم المعمور، الجيش الذي لولاه لما تمكنت الجزائر من اجتياز العراقيل والمطبات، بقوته وصلابته وتماسك أدرعه فوت الفرصة على المتربصين “أمريكا وتفكيك الجيش العراقي / فرنسا واستهداف الجيش الليبي خير مثال”، بحيث لم يسلم من التفكيك سوى الجيش السوري بداية الخريف العربي . 
    ولنفترض جدلا أن محاولات الإختراق ومساعي تأليب بعض طبقات المجتمع الجزائري على بعضها البعض قد نجحت، فماذا كانت ستؤول إليه أوضاع منطقة شمال غرب إفريقيا اليوم ؟ بكل تأكيد فوضى عارمة خارجة عن السيطرة تنقلب فيها الأمور رأسا على عقب ولمصلحة من ؟ فالمؤكد الأكيد ستصب في خانة استراتيجية الفوضى الخلاقة لصاحبتها كوندوليزا رايس ومن ورائها الربيبة إسرائيل . 
    نجاح التجربة التونسية بزعامة الرئيس قيس سعيد و من بعدها تجربة الجزائر أرقتا معا مزاج فرنسا المستعمر القديم للمنطقة، وإذا أضفنا لها تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء إيطاليا فيما يتعلق بنهب فرنسا لثروات مستعمراتها السابقة بالقارة السمراء، يتضح بما لا يدع مجالا للشك الخطورة التي تشكلها التجربتان لنفوذ فرنسا وتقزيم دورها في معترك مسرح السياسة الدولية، على ضوء ما يعتري المسرح العالمي من تمدد للنفود الروسي والصيني … وتراجع هيمنة القوى التقليدية “أمريكا مثال” . 
    العملية العسكرية الأخيرة بجنوب الجزائر والمتمثلة في إسقاط المروحيتين الفرنسيتين داخل التراب الجزائري، والتي ذهب ضحيتها حوالي 13 عسكريا فرنسيا كانت بمثابة جرس إنذار لماما فرنسا إن هي تمادت في تدخلاتها السافرة في الشأن الداخلي الجزائري، وكذلك الشأن بالنسبة للمناورات العسكرية البحرية المشتركة بمياه الأبيض المتوسط مع روسيا والصين، من منطلق زاوية التاريخ المظلم المشترك بين فرنسا كقوة احتلال دام حوالي 130  سنة وكفاح دولة ضد الإستعمار الفرنسي وأطماعه، قلت العملية الأخيرة بصمت على تهاوي النفوذ الفرنسي بالمنطقة . 
    أما فيما يتعلق بنا نحن المغاربة كشعب وكدولة مجاورة … فما علينا إلا أن نهنئ الأشقاء على مرور العملية بسلاسة ودون إراقة دماء حفاظا على استقرار المنطقة برمتها، رغم المؤاخدات على السياسات الجزائرية المتبعة في حق الشريك المغربي، فالتاريخ كفيل بتصحيح وتقويم الأمور بين الجانبين كما تقتضي الحكمة ذلك، كما أنه ليس لزاما علينا أن ننصاع للإملاءات الفرنسية الساعية دوما إلى تعميق الجراح بين الشعبين الشقيقين والدولتين المتجاورتين . 
    جمالية التفاحة في مظهرها وحلاوة طعمها وفوائدها الجمة بالنسبة لجسم الإنسان لم يمنع من لعبها أدوار طلائعية وجودية حاسمة، فهي التي تسببت بتوصية من إبليس في إخراج أبينا آدم من الجنة … وهي التي أسفرت على تعاظم شعبية الرئيس المنتخب الجديد جراء العزل والأقالة …

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

صاحب الجلالة الملك محمد السادس عازم على إسماع صوت إفريقيا في مجلس أوروبا

صاحب الجلالة الملك محمد السادس  عازم على إسماع صوت افريقيا في مجلس أوروبا