الواجهةمجرد رأي

تفكيك إحصاءات المندوبية السامية للتخطيط: بين العلم والتضليل

 

بقلم ✍️ أمين بوعدول

أعلنت المندوبية السامية للتخطيط، عبر بحثها الوطني حول العائلة لسنة 2025، عن أرقام تبدو “صادمة” و”تكشف تحولات جذرية” في بنية المجتمع المغربي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل هذه الأرقام تعكس الحقيقة كاملة، أم أنها منقوصة ومُحرَّفة في توجيهها؟ والأهم: لماذا تُقدَّم هذه المعطيات الآن وبهذا الشكل؟
دعونا نكشف معًا التضليل والتلاعب بالمصطلحات والمفاهيم، ونقرأ بين السطور ما لم تقله المندوبية السامية للتخطيط.
أولاً: تعريف “الأسرة النووية” – لعبة المصطلحات الخطيرة:
تقول المندوبية إن “العائلة النووية” أصبحت تمثل 73% من مجموع الأسر المغربية (مقابل 60.8% سنة 1995). وتعرفها بأنها الأسرة المكونة من الوالدين والأبناء فقط.
أين التضليل؟
1. التعريف فضفاض ومراوغ: لم تُحدد المندوبية بدقة: هل “الأبناء” هم القُصَّر فقط أم يشملون البالغين غير المتزوجين؟ هذا التمويه يجعل المقارنة مع 1995 غير دقيقة علميًا.
2. القفز على الأسباب الحقيقية: التقرير يتجاهل أن التحول نحو “الأسرة النووية” ليس خيارًا حضاريًا، بل هو نتيجة حتمية لـ:
· أزمة السكن وغلاء الإيجارات.
· البطالة التي تمنع الشباب من الزواج والاستقلال.
· ضعف الروابط الأسرية بسبب أنماط العيش المعاصرة.
· عدم قدرة الأسر الممتدة على تحمل تكاليف إيواء الأبناء وأسرهم.
3. أين الحديث عن العائلات أحادية الوالد؟: التقرير يتحدث ببرود عن ارتفاع “العائلات أحادية الوالد” من 7.3% إلى نسب لم تُحدد بعد,متجاهلاً أن هذا مؤشر خطير على تفكك الأسرة بسبب الطلاق أو الهجر أو الوفاة، وليس تحولاً حضارياً.
ثانياً: “انهيار العائلة الممتدة” – رواية منقوصة:
يعلن التقرير تراجع العائلة الممتدة من 35.2% إلى 19.8% فقط.
أين التضليل؟
1. إغفال أن العائلة الممتدة كانت حاضنًا اجتماعيًا وأمنيًا: لم تذكر المندوبية أن هذا “الانهيار” يعني:
· تفكك شبكات التضامن الأسري التقليدية.
· ترك الأجداد وحدهم يعانون الوحدة والإهمال.
· فقدان الأبناء للتوجيه والحماية التي كانت توفرها الأسرة الممتدة.
· تراجع القيم الدينية والأخلاقية التي كانت تُنقل عبر الأجيال.
2. تجاهل العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي أجبرت الناس على هذا “الانهيار”: لماذا أصبحت العائلة الممتدة غير قابلة للاستمرار؟ بسبب:
· الفقر الذي يجعل إعالة أسرة كبيرة مستحيلة.
· هجرة الشباب للخارج أو للمدن بحثًا عن العمل.
· غياب سياسات سكنية تشجع على التعايش الأسري الممتد.
· الأهم: غياب المرجعية الدينية التي كانت تُقدِّس صلة الرحم والتعايش الأسري.
ثالثًا: “تراجع التعايش متعدد الأجيال” – تجاهل فاضح لظاهرة “الأعشاش الفارغة”:
يتحدث التقرير عن انكماش التعايش متعدد الأجيال من 29% إلى 16.8%.
أين التضليل؟
1. التقرير يتجاهل أن هذا التراجع سببه الرئيسي ظاهرة “العش الفارغ”، حيث يغادر الأبناء منزل الأسرة تاركين وراءهم آباءً مسنين. وتكشف الأرقام ذاتها أن الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 60 سنة يمثلون 72.8% من أرباب الأسر التي هي عبارة عن زوجين بدون أطفال.
2. لماذا لم تذكر المندوبية هذه النسبة المخيفة؟ لأنها تكشف الوجه القبيح لهذا “التحول الجذري”: تخلي الأبناء عن آبائهم المسنين، وليس تطورًا اجتماعيًا راقيًا.
3. ارتفاع نسبة الأزواج دون أطفال من 3.4% إلى 9.4% هو مؤشر آخر على تفكك الأسرة، وليس على “تطورها”. هذا الارتفاع يعكس إما العقم المنتشر (لأسباب صحية وبيئية لم تُذكر)، أو الإحجام عن الإنجاب لأسباب مادية وأنانية.
رابعًا: “التقارب الحضري-القروي” – إخفاء للفجوة الحقيقية
يعلن التقرير أن التقارب أصبح شبه تام بين الوسطين الحضري والقروي.
أين التضليل؟
1. الإحصاءات التي يقدمها التقرير نفسه تكذبه! فالوسط القروي لا يزال يحافظ على نسب أعلى من “الزوجين مع الأبناء العزاب” (56.6% قروي مقابل 52.5% حضري). هذا يعكس أن القرويين ما زالوا أكثر تمسكًا بالنموذج العائلي الديني والاجتماعي.
2. إغفال الفروق النوعية: “التقارب الكمي” لا يعني التقارب النوعي. القرويون قد يتحولون إلى “أسرة نووية” بسبب الضغوط الاقتصادية، لكنهم يحتفظون بقيمهم وتواصلهم مع العائلة الممتدة بشكل مختلف.
3. تجاهل أن هذا “التقارب” هو نتيجة سياسة التهجير القسري للقرويين نحو المدن بسبب الفقر والبطالة في القرى، وليس نتيجة “تطور” اختياري.
خامسًا: التضليل الأكبر – الصمت عن أسباب العزوف عن الزواج:
يُصرح المندوب السامي للتخطيط بأن “حوالي 52% من العازبين لا يرغبون في الزواج”.
أين التضليل؟ الصمت المطبق عن الأسباب الحقيقية:
1. قوانين الأسرة العلمانية هي السبب الأول الذي يجعل الشباب يهربون من الزواج. القوانين التي تحارب “القوامة” وتُسقط “الطاعة” وتُساوي بين الرجل والمرأة في غير مواطن العدل تجعل الرجل يخشى على دينه وماله وبيته.
2. التقرير يتجاهل تمامًا العلاقة بين قوانين الأسرة والعزوف عن الزواج، مكتفيًا بذكر “الإكراهات المادية”.
3. الإحصاءات التي قدمها التقرير نفسه تدينه: النساء يعبّرن عن رغبتهن في الزواج بنسبة أكبر (53.6%) مقارنة بالرجال (31.5%)، والرجال الرافضون للزواج تصل نسبتهم إلى 59.8%. هذا الفرق المهول يعكس أن الرجال هم الضحية الأكبر لهذه القوانين المجحفة.
4. لماذا لم تسأل المندوبية العازبين عن أسباب عزوفهم بشكل مباشر وصريح؟ لأن الإجابة ستكون: الخوف من الظلم القانوني، وعدم القدرة على توفير المسكن، وغلاء المهور، والبطالة. لكن التقرير يفضل التمويه بعبارات عامة.
سادسًا: لماذا الآن؟ – حرب الوعي الممنهجة
لماذا تُقدَّم هذه الإحصاءات الآن؟ ليس مصادفة أن يتم الإعلان عنها في وقت تشتد فيه المعركة حول قوانين الأسرة، وتتصاعد فيه المطالب بـ”المساواة المطلقة” و”تحرير المرأة”.
الهدف واضح:
1. تطبيع التفكك الأسري: تقديم “الأسرة النووية” كنموذج متطور، و”انهيار العائلة الممتدة” كتحول حضاري، و”العزوف عن الزواج” كخيار شخصي محترم.
2. تشويه صورة الأسرة المسلمة المغربية: إظهارها وكأنها في حالة “تحول جذري” نحو النماذج الغربية، لتبرير التدخلات القانونية والسياسية.
3. خلق أرضية لإقرار قوانين الأسرة الجديدة: “انظروا، المجتمع تغير، فلنغير القوانين وفقًا لهذا التغير”.
خاتمة: كشف التضليل – واجب ديني ووطني:
هذه الإحصاءات، كما قدّمتها المندوبية السامية للتخطيط، ليست علمية محايدة، بل هي أداة في حرب الوعي التي يشنها الغزو الفكري والاستعماري على هويتنا.
ما لم تقله المندوبية:
· أن هذا “التحول” هو نتيجة الإكراه الاقتصادي والسياسي، وليس خيارًا مجتمعيًا حرًا.
· أن قوانين الأسرة العلمانية هي السبب الرئيسي في عزوف الشباب عن الزواج.
· أن تفكك الأسرة الممتدة يعني ضياع القيم والأمن والحنان.
· أن “العش الفارغ” هو مأساة إنسانية قبل أن يكون إحصاءً.
· أن 52% من العازبين لا يريدون الزواج ليسوا “متطورين”، بل هم ضحايا نظام يريد هدم الأسرة المسلمة.
رسالتنا واضحة:
لا نرضى بهذا التزييف. نريد قانون أسرة ينبثق من ديننا وقيمنا، لا من إحصاءات ملوّنة تخدم أجندة علمانية. نريد قوامة بلا ظلم، وعدلاً بلا مساواة مطلقة، وأسرة متماسكة بلا تفكك.
وحسبنا الله ونعم الوكيل على من يريد هدم بيوتنا باسم “التحولات الجذرية”.
✍️ اسأل المندوبية السامية للتخطيط: لماذا تجاهلتم العلاقة بين قوانين الأسرة العلمانية وعزوف الشباب عن الزواج؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى