تقديم كتاب عبد الالاه زيراط ” : دليل تطبيقي للفيلم القصير”
بقلم محمد حافظي سيناريست ومخرج ومكون بالمعهد المتخصص في المهن السينمائية


إطار اهتمام الجامعة الوطنية للأندية السينائية بالمغرب بنشر الثقافة السينمائية، وحرصها على تكوين الشباب الشغوف بمختلف تقنيات ومراحل إنتاج الفيلم السينمائي، وخاصة الفيلم القصير، شهدت الدورة الخامسة عشرة للجامعة السينمائية، المنظمة بمدينة مكناس ما بين 6 و10 ماي 2026، توقيع أول كتاب للمخرج عبد الإله زيراط، الصادر ضمن منشورات الجامعة الوطنية، وذلك يوم السبت 9 ماي 2026. وقد تولّى تسيير هذا اللقاء المخرج والسيناريست والمكوّن بالمعهد المتخصص في المهن السينمائية، محمد حافظي.
يحمل الكتاب، المكتوب باللغة الفرنسية، عنوان ” Guide pratique du court métrage ” ومذيّل بعبارة : “Leçons de terrain pour jeunes cinéastes marocains “
ويؤكد الكاتب منذ العنوان الفرعي أن هذا العمل لا يطمح إلى أن يكون كتاباً أكاديمياً صرفاً، بل دليلاً عملياً مستنداً إلى تجربة ميدانية طويلة عاشها عبد الإله زيراط، سواء كمساعد مخرج أول أو كمخرج لما يقارب عشرين عملاً سينمائياً، بين أفلام قصيرة ووثائقية وأفلام روائية طويلة، كان آخرها فيلمه الطويل الثالث ” La Corde “. كما يوضح العنوان الفرعي طبيعة الكتاب وأهدافه، والمتمثلة في تقديم دروس عملية لفائدة المخرجين الشباب حول كيفية إنجاز فيلم والمراحل الأساسية التي يمر منها العمل السينمائي، مع التركيز على خصوصية التجربة المغربية وما يرافقها من صعوبات إنتاجية وإكراهات قانونية ومهنية مرتبطة بواقع الصناعة السينمائية داخل المغرب.

وقد قدّم الكتاب الناقد مولاي إدريس الجعيدي، الذي عبّر في ورقته التقديمية عن إعجابه بمضمون الكتاب وأهميته بالنسبة للمخرجين الشباب، مقدّماً لمحة عن فصوله بأسلوب يثير فضول القارئ ويدفعه لاكتشاف محتواه. كما يتضمن الكتاب كلمة للجامعة الوطنية للأندية السينمائية ألقتها الشاعرة والروائية وعضوة المكتب التنفيذي أمينة الصيباري، أوضحت فيها الأهداف التي تسعى الجامعة إلى تحقيقها من خلال تشجيع الكتّاب الشباب والنقاد والأعضاء السابقين على تقاسم تجاربهم وتصوراتهم بما يساهم في تطوير السينما المغربية والرفع من كفاءة المشتغلين بها والتعريف بتجاربهم المختلفة.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام تضم ثمانية عشر فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة يعبّر فيها الكاتب عن حاجته الشخصية، في بداياته السينمائية، إلى كتاب من هذا النوع، كان من الممكن أن يساعده على تجاوز العديد من الأخطاء، وهو ما شكّل الدافع الأساسي لخوض تجربة الكتابة. كما يقدّم في المقدمة توجيهات عملية حول كيفية الاستفادة من هذا الدليل. وينطلق الكتاب من سؤال جوهري: ” لماذا أريد أن أخرج فيلماً؟ “، باعتبار أن الإجابة عن هذا السؤال تحدد طريقة العمل ومدى احترامها للشروط الاحترافية.
أما القسم الأول، فيتناول مرحلة ما قبل التصوير (Préproduction)، ويتكوّن من تسعة فصول، يركّز فيها الكاتب على أهمية الفكرة وضرورة البحث عن فكرة بسيطة تحمل في الوقت نفسه عمقاً فنياً وإنسانياً. كما يتطرق إلى كتابة السيناريو، مؤكداً أهمية إنجاز سيناريو قابل للتنفيذ والإنتاج، بعيداً عن الطموحات المبالغ فيها التي قد تعيق إنجاز الفيلم بسبب محدودية الإمكانيات أو ضيق مدة التصوير. ثم ينتقل إلى الحديث عن مرحلة اختيار الديكورات (Le repérage)، مشيراً إلى ضرورة استعداد المخرج لاحتمال فقدان أي فضاء تصوير في آخر لحظة، مما يفرض عليه امتلاك قدرة عالية على الارتجال وإيجاد بدائل مناسبة بسرعة حتى لا يضيع يوم التصوير. كما يبرز أهمية تكوين فريق عمل منسجم، وحسن اختيار الممثلين، مع تخصيص وقت للتدريبات قصد ربح الوقت ومساعدة الممثلين على الدخول في الحالة الدرامية المطلوبة.
ويتناول القسم الثاني، الذي يضم أربعة فصول، مرحلة التصوير أو ما يسميه الكاتب أيضاً بمرحلة الإنتاج (Production). وفيه يشدد المؤلف على ضرورة أن يكون المخرج مستعداً بشكل كامل، ومدركاً لما يريد تحقيقه في فيلمه، حتى يكتسب ثقة فريق العمل. كما يؤكد على أهمية توجيه الممثلين ومساعدتهم على الوصول إلى الأداء المطلوب، إضافة إلى ضرورة الاهتمام بجودة الصورة والصوت، مع تركيز خاص على الصوت الذي يعتبره الكاتب نصف الفيلم، لأن ضعف الصوت كفيل بإضاعة مجهود كامل الطاقم، إذ لا يمكن للمشاهد أن يستمتع بالصورة وحدها إذا كان الصوت رديئاً أو عاجزاً عن نقل المعنى بشكل متكامل.
أما القسم الثالث، الذي يتكون من خمسة فصول، فيخصصه الكاتب لمرحلة ما بعد التصوير (Post-production). وهنا ينبه المخرجين الشباب إلى ضرورة التفكير في التوضيب (Le montage) منذ مرحلة التصوير، لأن ذلك يساعد على الانتباه للروابط البصرية والزمنية بين اللقطات والمشاهد (Les raccords). كما يعتبر أن التعاون مع الموضب أمر أساسي، بل ويدعو إلى منحه مساحة لإعادة كتابة الفيلم بطريقته الخاصة، لأن النسخة التي يولدها التوضيب تكون في كثير من الأحيان النسخة المنقذة للفيلم.
ويختتم هذا القسم بالتأكيد على أن الهدف الحقيقي من صناعة الفيلم لا ينبغي أن يكون فقط الحصول على الجوائز في المهرجانات، بل الوصول إلى الجمهور وتكثيف مشاهدة الفيلم، لأن الجوائز تبقى أمراً نسبياً مرتبطاً بالأفلام المشاركة وبحساسية لجان التحكيم واختلاف توجهاتها وأذواقها.
أما الفصل الثامن عشر، فيمثّل خاتمة الكتاب، حيث يقدّم الكاتب خلاصة مركّزة لمختلف المراحل، إلى جانب مجموعة من النصائح التي يعتبرها أساسية، وعلى رأسها أن يصنع المخرج الأفلام التي يحبها ويؤمن بها أولاً، وأن يتحلى بالتواضع في تعامله مع جميع أفراد الطاقم، مع احترام دور كل شخص داخل عملية الإنتاج مهما بدا بسيطاً، لأن كل عنصر يساهم في اكتمال العمل السينمائي.
ويختتم الكتاب بكلمة أخيرة يذكّر فيها بأهمية هذا الدليل وبالمراحل التي يتناولها، موجهاً حديثه إلى المخرجين الشباب، ومؤكداً أن الوقت قد حان لتحقيق أحلامهم، وأن هذا الكتاب هو مجرد بداية لطريق طويل لا يتحقق فيه التعلم الحقيقي إلا بالممارسة والتجربة.
وأختم هذا التقديم بإحدى العبارات التي استشهد بها الكاتب في بداية فصول الكتاب، للمخرج العالمي Stanley Kubrick، والتي يقول فيها:
” صناعة الأفلام، قبل كل شيء، هي فن رواية الحكاية “.




