تمظهرات المؤرق وتجليات المحرق

بقلم أبو أيوب
    في مقالات سابقة كنا تطرقنا لما فات من تطاولات ولما تعرض له المغرب من ابتزاز، اليوم سوف نسلط الأضواء على المرتقب حصوله في القادم من الأيام وما حصل بالفعل، وهي في مجملها تنبؤ بتحولات استراتيجية تكاد تكون جذرية ليست في غالبيتها في صالح المغرب، تدور أحداثها بمنطقة شمال إفريقيا مع امتدادات في عموم إفريقيا قد يصل حدها لتكون أممية ضمن إطار الشراكة بين الإتحاد القاري والمنتظم الدولي . 
  • الحكومة الإسبانية تعلن حالة الطوارئ القصوى وتتعبأ لإجهاض مسعى وزارة الخارجية المغربية الداعي إلى ترسيم الحدود البحرية بالأقاليم الصحراوية، مسعى سعى إليه وزير الخارجية المغربي السيد بوريطة عند تقديمه مشروعي قوانين لترسيم حدود المياه الإقليمية أمام لجنة الدفاع والشؤون الإسلامية … بالبرلمان المغربي بغرفتيه، ولحد الساعة لا شيئ شرع أو تحقق …! للاشارة فالمغرب صادق على بنود الإتفاقية الدولية للبحار سنة 2007 والتي من بنودها ما ينص على فترة 10 سنوات كأجل أقصى لترسيم الحدود البحرية، خلالها يستوجب تقديم طلب للأمم المتحدة بشأن الترسيم النهائي، لكن لا شيء من هذا القبيل حدث، بل سارعت إسبانيا سنة 2015 إلى تقديم طلب بهذا الشأن قصد ترسيم حدودها البحرية بجزر الكناري المقابلة للصحراء، وهذا ندد به المغرب وشجب بحجة عدم استشارته في الموضوع …
  • جبهة البوليساريو وعلى مدى حوالي أسبوع تنظم مؤتمرها الخامس عشر بمنطقة تيفاريتي شرق الجدار الدفاعي المغربي، ومن بين الحضور لوحظ تواجد أفراد من بعثة المينورسو بزيهم العسكري، حيث فسر أمر تواجدهم على كونهم بصدد رفع تقارير إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشأن المستجدات، ورغم التنديد والشجب والتحذيرات المغربية التي بقيت دون صدى يذكر، تواصلت الأنشطة المعادية ولم يصدر في المقابل أي بلاغ من الأمم المتحدة حول الموضوع، مما يمكن اعتباره اعترافا أمميا صريحا بأن تلك المناطق ليست بمناطق عازلة يحظر فيها أي تواجد عسكري أو مدني بموجب اتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة بين الجانبين، وبالتالي يطرح السؤال عن وضعها القانوني إن هي مناطق محررة كما يدعي الخصم ؟ أم مناطق سلمها المغرب للأمم المتحدة كبادرة حسن نية كما يدعي و سوق البعض ؟ شيء ما ليس على ما يرام في ظل الصمت الرسمي ….! 
  • المجلس الحكومي الذي انعقد بحر الأسبوع الجاري برئاسة رئيس الحكومة المغربية، حيث تم كما قيل تدارس مجموعة قوانين يتم التحضير لها، بحيث بعد انتهاء أشغال المجلس صرح الناطق الرسمي باسم الحكومة، السيد عبيابة وزير الشباب والرياضة على أن المغرب لم يتخذ بعد موقفا رسميا من التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس الجزائري بخصوص مشكل الصحراء، حيث صرح الأخير بأنها مشكلة تصفية استعمار ويتم تداولها من طرف الأمم المتحدة من هذة الزاوية، ثم أضاف الوزير الناطق باسم الحكومة بأن المغرب سيعلن عن موقفه الرسمي بشأن هذه التصريحات في الوقت المناسب …، مما يطرح في حد ذاته عدة علامات تعجب واستفهام ….! 
  • إسكات صوت المدافع من أجل تهيئة الظروف المناسبة لتنمية إفريقيا، شعار القمة الإفريقية 33 المزمع انعقادها نهاية الأسبوع الأول من بداية السنة المقبلة بأديس أبيبا عاصمة إثيوبيا ومقر الإتحاد الإفريقي، حيث من المرتقب أن تتسلم جمهورية جنوب إفريقيا الرئاسة الدورية للمنتظم القاري من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، رئاسة تنضاف إلى عضويتها الحالية بمجلس الأمن الدولي … وهو ما يعتبر في حد ذاته انطلاقة تفعيل الشراكة الموقعة بين الإتحاد الإفريقي والأمم المتحدة فيما يتعلق بحل مشاكل القارة السمراء وإسكات صوت البنادق ووضع حد للنزاعات المسلحة في أفق سنة 2020، ناهيك عن بداية تفعيل دور الترويكا الإفريقية من منطلق مقررات قمة نواكشوط سنة 2018، ترويكا تتشكل من الرئيس الرواندي بول كاغامي / الرئيس المصري ع. الفتاح السيسي/ الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوسا إضافة للتشادي موسى فكي رئيس المفوصية الإفريقية، وهي بالمناسبة المقاربة التي يعترض عليها المغرب مطالبا بحصرية تناول نزاع الصحراء من طرف الأمم المتحدة …
وبالنسبة للنقطة الأخيرة، فخطورة ترأس جنوب إفريقيا  للإتحاد الإفريقي إضافة لعضويتها بمجلس الأمن الدولي، تكمن في كون مجمل تدخلاتها أمام المنتظم الدولي سوف تكون بصفتها ناطقة رسمية وبلسان واحد باسم عموم إفريقيا، وهو ما سيجعل من سنة 2020 سنة مؤرقة وقد ترقى لتكون محرقة للمقاربة المغربية في نزاع الصحراء، ومقبرة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية التي ورط فيها من طرف أمريكا .
    أمريكا نفسها اليوم تسعى جاهدة لتوريطه مجددا في حرب مع الجزائر والبوليزاريو لحلحلة ملف الصحراء، حتى يصبح تدخل الإتحاد الإفريقي في حل المعظلة بمثابة تحصيل حاصل من زاوية أن النزاع العسكري بين دولتين إفريقيتين معترف بهما في الإتحاد القاري، وهذا ما لمحت إليه وزيرة الدفاع الفرنسية وأشار إليه مجلس السلم والأمن الإفريقي فضلا عن تصريحات الممثل الجزائري بالإتحاد الإفريقي السيد رمطان لعمامرة …, عندما أجمعوا على أن سنة 2020 ستكون بامتياز سنة إسكات صوت المدافع بعموم إفريقيا وسنة الحسم في نزاع الصحراء . 
    فهل من الممكن ترقب تجميد عضوية الخصم أو طرده من الإتحاد القاري ؟ وبالتالي التكفير عن ذنب اقترفته منظمة الوحدة الإفريقية ثمانينيات القرن الماضي تجاه المملكة المغربية …! بمفهومي المتواضع هذا أمر يصعب حدوثه ولو من باب الخيال العلمي، وأسس الصعوبة ومرتكزاتها تكمن في تشبث الإتحاد القاري بعضوية إحدى الدول المؤسسة للإتحاد وأعني بها جمهورية الوهم كما ندفع بها نحن المغاربة “القمة الإفريقية الأوروبية الخامسة التي انعقدت بدولة الكوت ديفوار والتي حضرها الخصم والعاهل المغربي”، فرغم السعي الفرنسي الحثيث الرامي إلى عدم إشراك الخصم والتلكؤ الإيفواري في إرسال دعوة الحضور للمنازع، إلا أن الإتحاد القاري رفض وتشبث بأحقية الحضور متوعدا بإمكانية نقل الأنشطة لمقره بأديس أبيبا، فكان ما كان ووقع ما وقع ليسدل الستار على صورة تذكارية جامعة لمن حضر بما فيهم المنازع …
  • تعيين الهولندي محمد زياد من أصول ريفية مغربية على رأس الفدرالية الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان، قد يعتبر كمعول آخر أو مسمار يدق في نعش المملكة المغربية، انطلاقا من خلفية الأصول النسبية للمعين على رأس الفدرالية فضلا عن بلد الجنسية هولاندا وما يعتري علاقاتها  الثنائية مع الجانب المغربي على ضوء رؤيتها لحراك الريف، فدرالية تضم في عضويتها كل من أمريكا/ فرنسا/ بلجيكا/ هولاندا/ جنوب ‘فريقيا / كندا/ كولومبيا ودول اخرى في مجملها معادية لمصالح المملكة المغربية . 
  • التنسيق التام والمتناغم بين تونس والجزائر وموريتانيا فيما يتعلق بمشاكل المنطقة المغاربية وعلى رأسها قضية الصحراء، دون إغفال الأزمة الليبية وما تعرفه من تطورات وما ينتج عنها من تحالفات، دفعت بالجارة الشرقية إلى إعلان حالة الطوارئ القصوى على حدودها الجنوبية مع مالي والجنوبية الشرقية على طول حدودها مع ليبيا، احتراسا من أية محاولات إرهابية عابرة للحدود، لا سيما بعدما ثبت تورط فرنسا في الأحداث الجارية بالجزائر أو عبر حكاية سقوط أو إسقاط المروحيتين الفرنسيتين بالمنطقة .
    تطورات المنطقة المغاربية متسارعة لخلط الأوراق وتشبيك الملفات، من خلفية متغيرات جيوسياسية وأخرى استراتيجية تعرفها منطقة شمال غرب إفريقيا تصب في مجملها لصالح روسيا والصين، خلط الأوراق من أجل استرجاع أمجاد غابرة ومصالح اقتصادية مترنحة تركية فرنسية بامتياز “الحفاظ على  موطئ قدم أو ما تبقى منه”، ومن أبرز هذه المحاولات في زمن المتغيرات بالمنطقة عموما نذكر مثالا لا حصرا  : 
  • زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المفاجئة لتونس ولقاؤه بالرئيس قيس سعيد من أجل مناقشة التطورات لا سيما في شقها الليبي، حيث طلب منه بحسب المسرب من أخبار إعلان تضامنه ومساندته لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا، ومن ثمة السماح لتركيا بمنفذ بري تعبر من خلاله قواتها العسكرية إلى الداخل الليبي لدعم ومساندة حكومة السراج، إلا أن رد الرئيس التونسي الصاعق الرافض للتدخلات الأجنبية في الشأن الليبي، فضلا عن موقفه المعلن باتخاذ نفس المسافة مع كل الفرقاء الليبيين، ناهيك عن تدخينه سيجارته المفضلة “رخيصة الثمن” بحضرة ضيفه، مع علمه المسبق بمقت وتضايق الضيف التركي من روائح التبغ عجل بانتهاء الزيارة بعد ساعتين من حدوث اللقاء .
    وهي في مجملها رسالة واضحة لكل من تركيا وفرنسا بأن تونس سوف تنتهج نهجا مغايرا متناغما، بتنسيق تام مع سياسات جارها الغربي الجزائر خدمة لمصالح شعبي البلدين ، بالتالي لا يمكنها الإصطفاف إلا مع الجزائر في الوقت الذي ترى فيه حدودها الشرقية مع ليبيا شفافة وقابلة للإختراق . 
    إثرها عاد الضيف التركي لبلاده بخفي حنين ثم أعلن عن قيام شراكة عسكرية بينه و بين حكومة الوفاق متوعدا بحرب بحرية وجوية ضد قوات الجنرال خليفة حفتر التي تحاصر طرابلس العاصمة، متناسيا أو متجاهلا بأن أية محاولة من هذا القبيل قد تعد اختراقا للمياه الإقليمية المصرية وقد يضعه ذلك في مواجهة مباشرة مع البحرية المصرية المنتشرة هناك، بالتالي عليه تحمل المسؤولية …
    بعض المحللين والمراقبين يرون في المقاربة التركية تجسيدا لسياسة حلف الناتو في مسعاه لتقزيم الدور الروسي الصيني المتنامي بالأبيض المتوسط، ولهذه النظرة التحليلية ما يعززها من زاوية تبادل الأدوار بين فرنسا وتركيا . 
  • الزيارة الماكرونية الاخيرة للرئيس الفرنسي لدولة النيجر تصب في هذا المنحى، بحيث تزامنت في الزمان والمكان مع زيارة أردوغان لتونس، وكلتى الزيارتان تهدفان معا إلى تدشين طريق تجاري تركي فرنسي عبر دولة النيجر نحو العمق الإفريقي، للتضييق على طريق الحرير الصيني الذي اختيرت له  كل من مصر والجزائر كبواباته الرئيسية نحو إفريقيا .
    مقاربة الحليفين بحلف الناتو ثلاثية الأبعاد :  أحدها عسكري بتنسيق كامل بين تركيا وفرنسا لمحاصرة نفوذ روسيا العسكري المتصاعد بمياه البحر الأبيض المتوسط “الأزمة السورية مثال”، وبعد إقتصادي من أجل الحد من التمدد الصيني المتواصل بالقارة السمراء، من منطلق النظرة الإستراتيجية الإقتصادية الطويلة الأمد التي بدأت تنتهجها التجمعات الإقتصادية والدول الصناعية الرائدة من مختلف القارات “قمم الإتحاد الإفريقي مع نظرائه أو بعض الدول الصناعية كاليابان/ الهند/ الصين/ أمريكا/ روسيا … مثال” . أما البعد الثالث فهو مخابراتي بامتياز من زاوية ما يجمع البلدين معا من اتفاقيات لتبادل المعلومات والتنسيق المخابراتي مع دويلة الكيان الإسرائيلي، والثلاثة معا على علاقة وطيدة بالإخوان المسلمين ومن داعمي الإسلام السياسوي إلى جانب قطر “إحداث حماه بسوريا أيام الرئيس حافظ الأسد/ التواجد الإستخباري الإسرائيلي جنوب تركيا وشمال العراق / منصة الإنصات وجمع المعلومات والتجسس الإسرائيلية قرب الحدود التركية الإيرانية خير مثال عما وصله التنسيق بين الجانب التركي والإسرائيلي …” .
    القارة السمراء الواعدة محط أطماع وتوسع وصراع لما تختزنه من ثروات باطنية “حديد/ نحاس/ غاز/ بترول/ ذهب …، فضلا عن أراضي شاسعة ووفرة المياه وهي قابلة للاستغلال وقد تشكل في المستقبل خزانا غدائيا للبشرية جمعاء، لكن أهمها في الوقت الحاضر العنصر البشري ضمن رؤية التنمية المستدامة التي أصبح الصراع يتمحور حولها وانطلاقا منها أضحى يتبلور، بينما الأهم كونها سوق استهلاكية بامتياز لقرابة المليار ونصف نسمة .
    بالأمس كان الصراع استعماريا والأطماع استغلالية ليبرالية متوحشة، أما اليوم فهو صراع ضمن مقاربة تشاركية ومن زاوية رابح رابح، ينشد التنمية والإستقرار حيث خصصت اليابان وحدها ما يفوق 40 مليار دولار كاستثمارات، في حين أفردت لها الصين ما يقارب 1000 مليار دولار كمحطة انطلاق plateforme استثمارات اقتصادية، زاويتها مصر وركيزتها الجزائر ودعائمها جنوب إفريقيا ونيجيريا وإثيوبيا، فهل ستكون سنة 2020 بداية العصر الذهبي لإفريقيا بامتياز ؟ .
    إفريقيا اليوم تسير بخطى ثابتة لرسم مستقبلها الواعد، وقد حققت بعض دولها طفرة نوعية في مجالات عدة “رواندا مثالا لا حصرا”، ومن شبه المؤكد أن ينضاف إليها بعض دول شمال غرب إفريقيا كالجزائر وتونس مثال، كما أنها في سعي دؤوب “إفريقيا” تسعى من خلاله إلى تقوية المجموعات الإقتصادية لدولها ” الاكواس غربا وصادك جنوبا مثال”، بحيث لم يبق سوى الإتحاد المغاربي المتعثر والمتطاحن المتصارع على الزعامة والريادة بين المغرب والجزائر . 
    كل المراقبين الدوليين أجمعوا على أن حل مشكلة الصحراء يعتبر مفتاحا لكل أزمات المنطقة بما فيها الأزمة الليبية، الأولى من مخلفات الإستعمار القديم ضمن منظور تجزئة المجزء وتقسيم المقسم، والثانية من خلفية التدخلات الغربية والإستعمار الجديد اللاهث دوما وراء نهب الثروات، فهل ستلتفت الزعامات لردم الهوة ومن تم الإنطلاق إلى فضاءات أرحب وأوسع ؟ أم سيتمترسون وراء مقولات عفى عنها الزمن ؟ قطار إفريقيا وضع على السكة وهو يسير بينما ضباعها تعوي وكلابها البرية تنبح، فسارعوا إلى حجز تذاكركم قبل فوات الأوان .
    قد أخطئ وقد أصيب في التحليل، لكن الحقيقة تبقى هي هي، إنه موعد القارة السمراء مع نهضتها الموعودة ومستقبلها الواعد، المنبئ بنهاية أسطورة قارة العبيد والجياع والحروب الأهلية والإنقلابات العسكرية والمنذر بقرب انكماشة نفوذ المستعمر القديم وعلى رأسها ماما فرنسا، تذكروا جيدا مقال باي باي ماما فرنسا المنشور على موقعنا المتميز الجديدة نيوز وإلى مقال آخر ..

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إتفاقية شغل جماعية بين شركة “ليوني –عين السبع” بالدارالبيضاء والإتحاد العام للشغالين بالمغرب

أثر إيجابي على المناخ الإجتماعي بالعاصمة الإقتصادية     تم يوم الثلاثاء بالدار البيضاء توقيع ...