الواجهةمجرد رأي

توتر القيم داخل حزب العدالة والتنمية

مصطفى بوكرن يكتب:  توتر القيم داخل حزب العدالة والتنمية 

قبل يومين نُشر خبر استقالة 30 عضوا من حزب العدالة والتنمية في العيون. ذهبت أبحث عن صحة الخبر، وأقرأ ما رشح عن المستقيلين، وأبحث عن تدويناتهم، وفي الجهة المقابلة، أنتظر صدور توضيح من حزب العدالة والتنمية في العيون، وأراقب ما سيكتبه قادة البيجيدي من الشباب في وسائل_التواصل_الإجتماعي ، كما أنني اتصلت ببعض الأصدقاء أحاول معرفة تفاصيل الاستقالة ومناقشة خلفيات مآلاتها، واليوم تابعت تعليقا عاما للأمين العام لحزب العدالة والتنمية يشير بشكل غير مباشر إلى حالة احتجاج المناضلين على من تم تزكيته واعتبر الأمر عاديا وطبيعيا.
إذا ناقشت هذا الحدث من زاوية السياق الانتخابي ونحن على مقربة بضعة أشهر من الانتخابات البرلمانية، فطبيعي أن يصدر تهوين ما وقع، والتأكيد على أن التنظيم الحزبي قوي وفي كامل جهوزيته لمنازلة الخصوم، مع الإشارة إلى المساطر التنظيمية التي تنظم ترشيح ممثلي الحزب، والتي يؤكد أبناء الحزب أنها ديمقراطية ويفتخرون بها في وسائل التواصل الاجتماعي، مع الإشارة أيضا، إلى المرجعية_الإسلامية التي تحث على اجتناب الفتنة ووحدة الصف والتحلي بالرزانة واختيار الإيثار والتعاون والنضال لما في ذلك من أجر و ثواب في الدنيا والآخرة.
هذا الخطاب الموجه إلى الذات، أما الخطاب الموجه إلى الخصوم، فإنه خطاب يسفه تضخيمهم لمثل هذه الأخبار من أجل النيل من الحزب، وبناء رأي عام داخل الحزب يضرب الجانب النفسي المتوثب، وبناء رأي عام وطني يشوه سمعة الحزب الذي يدعي أنه ديمقراطي ويحترم المرجعية الإسلامية ويحارب الكولسة…
في السياق الانتخابي، إذا انتظرت من حزب العدالة والتنمية أن يقول غير هذا، فأنت أحمق.
طبعا، خصوم البيجيدي سيتلقفون هذا الخبر ويروجونه بقوة، ويبرزونه، وسيرسلون الصحفيين لاستضافة الغاضبين المستقيلين من الحزب، لكي ينشروا كواليس ما وقع في حزب العدالة والتنمية في العيون، من أجل تعميق الشرخ، وإشغال أبناء الحزب بالمدينة بالنزاعات الداخلية بالرد والرد المضاد، وقد يتفنن إعلام خصوم الحزب في ترميز رأس حربة المستقيلين، واستضافته والترويج له، من أجل استعماله في حربهم ضد الحزب مع انطلاق حملة الدعاية السياسية قبل أشهر من الانتخابات المقبلة.
في السياق الانتخابي، إذا انتظرت من خصوم البيجيدي أن يقولوا غير هذا، فأنت أحمق.
إذن، ما وقع يأتي في سياق صراع انتخابي بدأ يشتد، وكل طرف يستعمل أوراقه في الصراع. وسنرى المزيد من الأوراق في الأيام والأشهر المقبلة.
وشخصيا، لا يعنيني هذا الصراع الانتخابي، لأن فهم الخبر يحتاج لسياق أكبر من السياق الانتخابي، لأنني لو التزمت بالسياق الانتخابي أن البيجيدي في صراع مع خصومه، فحتما سأنحاز إلى البيجيدي، وأروج خطاب الوحدة من أجل منازلة الفساد..
السياق الذي أضع فيه مثل هذه الأخبار، هو سياق حزب سياسي له مرجعية إسلامية
قبل باللعبة الانتخابية “ما هي ديمقراطية مائة في المائة، ماهي استبدادية مائة بالمائة”، من أجل أن يشتغل من داخل بنية_سياسية دينها الأساسي المصالح، وتشكيل نخب لخدمة اللوبيات الكبار. وهذا الحزب النظيف المؤمن رمى بنفسه في مستنقع هذه البنية الفاسدة، التي لا يعني أنها فاسدة كلها، بل تحول الفساد فيها إلى منظومة، وكأنه قيمة_أخلاقية نبيلة له مبررات الضرورة.
هذا الحزب ابن الحركة الإسلامية، التي كانت حالة ثقافية وتربوية..، صحب معه قيم وأخلاق التنظيمات الدعوية، التي تمارس الاحتجاج والضغط الديني دون أن تطمع في مكاسب السياسة، هدفه المساهمة في النقاش العمومي والترويج لقيم وأخلاق معينة، من أجل بناء حركة ثقافية إصلاحية.
هذا أصل الحركة الإسلامية، وهذا الأصل ينسجم مع بنية التنظيمات الدعوية لهذه الحركة، لا وجود للمغانم، الجميع يعرف أنه جاء من أجل التطوع والخدمة في سبيل الله.
تلك القيم الأولى صحبها هذا الحزب إلى المؤسسة الحزبية، بينما الأداة الحزبية التي تشتغل ضمن بنية سياسية في المغرب، لها أخلاقها المضادة لبنية المؤسسة الدعوية، لأن الحزب يدخل في صراع مباشر مع باقي #الأحزاب، وفق منطق #الأغلبية و #المعارضة ، والحركة الدعوية لا تدخل في صراع مباشر فهي تستهدف القيم، وهذا الصراع بالأداة الحزبية له أخلاقه، فمثلا: -شتائم ابن كيران في الصراع الحزبي، له ما يبرره في الصراع السياسي المعاصر، هذا شيء عادي، ينشط الفضاء الحزبي ويجلب جمهور و زبناء جدد، لكن في المؤسسة الدعوية الشتائم تعتبر من خوارم المروءة ومن الكوارث.
-تقاعد بنكيران بمنظور المؤسسة الدعوية حب للدنيا وفتنة، لكن بمنظور المؤسسة الحزبية في نظام سياسي مخزني عتيق، شيء عادي، بل أحيانا ذلك التقاعد المصرح به هو شيء إيجابي، لأن بعض رجالات الدولة يستفيدون ولا يعرف المواطن قيمة ونوعية الريع.
البيجيدي يعيش توترا قيميا، يسير ببطء، انفجر في لحظة “#التطبيع”، لأن المناضلين، قاموا بإسقاط قيمهم الفكرية والدينية والثقافية التي عاشوا بها في المؤسسة الدعوية، فرأوا ما فعله العثماني جريمة وخيانة، لكن بمنظور حزبي سياسي يتشغل في نظام تقليدي سلطوي،وأن يكون هذا الحزب في الحكومة، فهو ليس مستقلا فهو خادم للدولة.
البيجيدي يريد أن يجمع بين أداتين لهما قيم متناقضة، أداة المؤسسة الدعوية وأداة المؤسسة الحزبية، وفي كل مرة يقع الانفجار، لكن يتم تضميده بخطاب دعوي مهدئ، فمثلا: في التوقيع على التطبيع، هناك من ذهب واستشهد بصلح الحديبية،
أو يتم تضميده بالتذكير بالثقافة المخزنية، فمثلا: في تقاعد بنكيران،يقول مستحيل لرعايا السلطان أن يرفضوا هداياه هذا ضرب من الجنون.
أن تستفيد من المسؤولية السياسية بما هو مشروع في المؤسسة الحزبية فيتغير وضعك الاجتماعي، وتترقى طبقيا، هذا شيء عادي بالاشتغال في المؤسسة الحزبية التي تروم الإصلاح من الداخل،
لكن بمنظور دعوي هذا نقص أخلاقي، ولذلك، هناك شخصيات ترقت طبقيا من خلال المسؤولية بما هو مشروع، لكنها لا تجد حاضنتها القيمية داخل الحزب، فيقع ذلك الصدام بين مناضلي الحزب البسطاء الذي يكونون أشد تمسكا بالخطاب الدعوي لأن له قدرة احتجاجية قوية، وبين قيم الحزب الذي اندمج في المؤسسات، وعمليا الدولة تعمل على استقطاب النخب الحزبية وتجعلهم يعيشون في وضعية أفضل، تخيلوا معي بنكيران رفض سكن رئيس الحكومة لكي لا يقولوا عليه ابتعد عن السكن الذي كان يسكن فيه حيث يأتي المحتجون، وعمليا، في عمل مؤسسات الدولة هذا شيء عادي، بل أحيانا ضروري، لكن الخطاب الدعوي والشعبوي له قدرة احتجاجية مؤثرة.
وهناك تناقض قيمي خطير، وهو تناقض عدم إبداء الطموح في أن ترشح نفسك، الذي هو من صميم المؤسسة الحزبية، وليس الدعوية، وتخيلوا معي لماذا يذهب مرشحو البيجيدي إلى المواطنين ويقترحون عليهم أنفسهم ويتصارعون مع خصومهم من أجل تحمل المسؤلية لتمثيل المواطنين والاشتغال من داخل المؤسسات. بمعنى ممنوع أن تعبر عن رغبتك في تحمل المسؤولية أمام إخوانك في الحزب لأنهم سيتهمونك بحب الدنيا، لكن أن تأتي إلى المواطنين وتتصارع مع خصومك من أجل أن تقول لهم أنا الأقدر على تحمل المسؤولية!!
فهذا يجعل عضو البجيدي يعيش تناقضا غريبا وعجيبا، يريد أن يمارس السياسة ليس بمبادئ الإسلام، انتبه، بل بقراءة الإسلام في سياق تنظيمي دعوي خاص، وهذا السياق انتهى ولازال هو متشبثا به.
ليس غرضي أن أتحدث خاصة على استقالة مناضلين في العيون، بل غرضي، أن أذكر أن هناك بنية قيمية متحكمة في أبناء البيجيدي، “بنية قيمية متناقضة”، نعم نجحوا في التمييز بين الخطاب الدعوي والسياسي، لكن البنية الداخلية تعيش تناقضا مريعا بسبب عدم الحسم، الحزب السياسي له أخلاقه والمؤسسة الدعوية لها أخلاقها.
وبالمناسبة، هذا لا يتعلق فقط بأحزاب الإسلاميين بل كل الأحزاب العقائدية الإيديولوجية “أحزاب المناضلين”، يعيشون تناقضات قيمية صاعقة، وذلك حين الانخراط في بنية الدولة الإدارية والسياسية، والتي لها منطقها، وفي الغالب تؤدي إلى الانفجار طال الزمن أو قصر.
أرى شخصيا، أن البيجيدي عليه أن يحسم، عليه الاشتغال بالأداة الحزبية في بنية سياسية سلطوية، ولذلك أعراض جانبية عليه أن يبدع أدوات لمعالجتها، لا أن يشيطنها ويخونها ويعتبر أن ما وقع هو انحراف الشخص، بل عليه أن يعتبر أن هذا يرتبط بالأداة التي يشتغل بها في بنية معينة.
وهنا يلزمه معركة التخلص من البنية القيمية الدعوية -لا أقول الإسلامية- التي أنتجها سياق تاريخي معين بقراءة معينة، وهذه أصعب المعارك، ولا تشبه معركة التمايز بين الدعوي والسياسي، لأن هناك مستفيدين من هذه البنية القيمية الدعوية.

ولذلك، هناك خطاب بسيط عند بعض أبناء البيجيدي حين تظهر الأعراض الجانبية التي سببها الاشتغال بالأداة الحزبية في بنية سياسية سلطوية، تجدهم يقولون: اشتقنا إلى زمن الجلسة التربوية، ويبدأوا في الترويج للخطاب الديني داخل الحزب والآيات والأحاديث، وهذا يزيد من الأزمة ولا يحلها، يذكرني هذا أنه كان حين يقع صراع قديم بين الإخوان وهو صراع نسبي يرتبط بقراءة معينة، يتم استعمال المقدس: القرآن، يقرأ أخ آيات لتهدأ النفوس، نعم تهدأ، ولكن المشكلة تبقى قائمة، تنفجر في سياق آخر.
لو سألتكم: ما سبب الأزمة التي ظهرت في قيادة البيجيدي؟ الجواب بسيط جدا: أنهم يرفضون الاعتراف بالقيم التي أنتجتها مؤسسات الدولة في نفوسهم، في سياق حزبي سياسي مخزني، أن المخزن جاء بهم ليعملوا معه وظهرت فيهم أخلاق سياسية جديدة.
ولماذا لا يعترفون؟ الجواب: لو اعترفوا سيتهمون أنفسهم بالنفاق والتناقض والردة، لأنهم يقارنون أنفسهم بما كانوا عليه في المرحلة الدعوية ومرحلة المعارضة.
وهذا يشبه وضع شخص، انتقل من بيئة فقيرة لها قيمها، إلى بيئة غنية لها قيمها، فتغيرت أخلاقه، خصومه الفقراء يمارسون عليه الشعبوية ويذكرونه بأخلاق الفقراء، يستفزونه لأغراض إبراز التناقض، ويرفضون هم الاعتراف بأن البيئة الجديدة لها أخلاقها وقيمها، فيجد هذا الشخص نفسه في صدام مع أعز المقربين إليه. وقد عمق بنكيران في خلق هذا الصراع الداخلي بسبب لايفاته، يركز على الأشخاض ويكتب أسماءهم في ورقة الزبدة دون أن يعترف بالبنية التي أنتجت ذلك، فمارس خطابا شعبويا تجاه جمهور البيجيدي داخل التنظيم وخارجه.
ما لم يحسم البيجيدي ذلك، ستتعاظم مشاكله الداخلية كلما شارك في الحكومة والجماعات.. خطاب الدعوة الإيديولوجي داخل التنظيم مرفوض، لا أقول خطاب الإسلام، هذا شيء آخر، ولمن يريد المزيد يذهب لقراءة تراث فريد الانصاري رحمه الله.
في الأخير: هذا التحليل، غير موجه إلى مشارك في الحملة الانتخابية ويتوعد أخنوش بالهزيمة في الانتخابات المقبلة،
أو بعبارة أخرى غير موجه إلى “المؤمن الصادق” بعبارة إيريك هوفر.
اه
——————-
للمزيد من التوسع في الموضوع شاهدوا بودكاست الأخلاق السياسية مع د.محمد بن المختار الشنقيطي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى