تورط ثلاثي/ وخلاصة

بقلم أبو أيوب

    يوم الخميس أعلنت إيران عن إفشال محاولة اغتيال أحد قادتها العسكريين الكبار الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس، فلماذا بالضبط هذا القائد رغم أن كل القادة مستهدفون وأن من منطلقات مختلفة ؟ حضور بصماته في جغرافية المنطقة “سوريا/ العراق/ لبنان/ فلسطين/ اليمن …” والإنجازات الكبيرة في الميدان في كل دول هذا المحور، وإفشالها للمشروع الأمريكي “الثلاثي النجس، مقال سابق” في تسويق نظرتها للشرق الأوسط الكبير، هذا وحده يكفي لجعله على رأس دائرة الإستهداف ومطلوب لعدة جهات …! .

    مشروع سبق وطرحته السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية سابقا وقد نال ترحيبا واسعا آنذاك من قبل أدوات هذا الثلاثي “إسرائيل/ بعض الدول العربية على رأسها السعودية وقس على ..، وعملوا عليه طوال سنوات “منها الحرب على العراق/ حرب 33 يوم جنوب لبنان 2006/ سوريا/ اليمن …

    مشروع كان ينبني على هيمنة إسرائيل اقتصاديا/ عسكريا/ ماليا … بتعاون مع بعض الدول العربية من خلال عمليات التطبيع أو فتح قنوات اتصال، أو اعتراف رسمي وتبادل السفراء والبعثاث … طبقا لمعاهدات “مصر/ الأردن” . اليوم كل هذا المشروع فشل وأصبح أثرا بعد عين، ذكريات مؤرقة حارقة لكل من خطط وبرمج ومول … بالتالي وجب الإنتقام ورد الإعتبار وليكن الهدف استراتيجيا حتى يستساغ امتصاص وقع الفشل “عقل عسكري استراتيجي يقابله فشل عسكري استراتيجي” .

    ما يعزز القول ما جاء في الرواية الرسمية الإيرانية من كون التدريب عبري والتنفيذ عربي ضمن فضاء طائفة معينة شمال البلاد سنية المذهب من أجل خلق شرخ وتصدع في مكونات وشرائح المجتمع الإيراني، لإحداث البلبلة والقلاقل في الداخل بحيث يمكن استغلاله فيما بعد تحت مسوغات متنوعة وزوايا مختلفة، كما يعززه كذلك تصريحات سابقة لولي عهد المملكة السعودية و وزير دفاعها لقناة فوكس نيوز الأمريكية، حيث صرح بضرورة نقل الصراع إلى داخل إيران وأن المملكة لن تقف مكتوفة الأيدي، وكم كان واثقا سموه من بعد نظرته ورجاحة تحليله …

    أما الإشارة الثالثة التي تقوي التعزيز وتزيح الشكوك من حول الفاعل، ما صرح به رئيس وزراء الكيان النثن – ياهو في مناسبات عديدة للصحافة ومختلف القنوات الإعلامية الإسرائيلية، في تحذير مباشر موجه للجنرال الإيراني “كن حذرا في أقوالك وكن أكثر حذرا في تصرفاتك”، ضمن الفلسفة المخابراتية يعتبر تهديدا مبطنا وأمرا بالإستهداف وبالتصفية لما باث يشكله قائد فيلق القدس من تهديد مباشر على وجود إسرائيل “نفوذه عبر حزب الله اللبناني/ الإجماع الفلسطيني الحاصل الآن” .

    بهذا تكتمل أضلاع الثلاثي النجس وما يجمعهم من مصلحة وتطابق الرؤى ومدى استفادتهم من عملية الإغتيال، لكن الأكيد أن المرور مرور الكرام على المحاولة استحالة تقبلها وأن الرد لن يستغرق وقتا وليس بالضرورة من طرف إيران، بمعنى أنها لن تتدخل مباشرة إلا في حالة تدخل مباشر من أمريكا، قد يكون الرد مثلا عبر الحوثيين بباب المنذب باستهداف حركة الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر “شعارهم الذي يرددونه الموت لأمريكا/ الموت لإسرائيل …”، أو قد يكون الإستهداف في العمق الإقتصادي السعودي/ الإماراتي عبر الحوثيين نظرا لما يشكله البلدان من أهمية إقتصادية لأمريكا، وقد أثبتت الأيام إمكانية الحدوث وعلى مراحل تدريجية، كما قد يكون الرد من الحدود الفلسطينية أو السورية في اتجاه إسرائيل بواسطة طائرات درون مسيرة”، هذا الرد الأخير هو ما خلصت إليه وتترقب حدوثه مختلف الأوساط الإسرائيلية العسكرية والمخابراتية والأمنية .

    تغيير موازين القوى في المنطقة وتوازن الردع بين كافة المتدخلين والمعنيين بالصراع الشرق أوسطي/ الخليجي تؤرجح كفة على حساب أخرى، وبحكم أن الصراع أصبح صراع وجود وليس صراع حدود كما سبق وأشرنا له في مقالات سابقة “أيام عبد الناصر/ حافظ الأسد/ الملك حسين”، منطلقه معتقدات دينية عقائدية ومن زوايا مختلفة، فالغلبة بالضرورة تكون للمحاصر “بكسر الصاد” وعلى حساب المحاصر “بفتح الصاد”، ولن ينتهي الأمر إلا باجثتات أحد الطرفين .
1/ السعودية من زاوية زعامتها للعالم السني وما تمثله من رمزية دينية تستلهمها من حرمة مكة والمدينة ومن خلفية حماية الحرمين الشريفين وإن اقتضى الأمر بدعم ومساندة أمريكية وتراضي عربي فلا بأس، كل ما يهم الحفاظ على الكراسي والالقاب . اليوم هيمنتها على الأماكن المقدسة أصبحت محط تساؤلات وتجاذبات داخل منظمة المؤتمر الإسلامي، المؤشرات تشير إلى فقدان السعودية بعضا من وزنها ونفوذها داخل المنظمة، كما أن هناك دعوات في هذا الاتجاه تتزعمها كل من تركيا و ماليزيا و ايران و باكستان، فيما وجودها السياسي والجغرافي كدولة أو كنظام حكم مرتبط ومتشابك بتطورات الأزمة مع اليمن، هي الآن محاصرة شرقا “إيران” وجنوبا “اليمن” وشمالا “العراق” وغربا “ما يمثله الحوثيون في البحر الأحمر”، إن هي تمادت في حربها فتلك حثمية نهاية وجودها “التوغلات في الجنوب والسيطرة على مناطق واسعة بنجران تفتح الطريق برا نحو العاصمة الرياض بعد الإنهاك واستنزاف المقدرات” .

    أما الجانب المقوماتي السياسي للنهج المتبع حاليا داخل المملكة السعودية، هناك أخبار لبداية تململ وتذمر يعم أوساط الأسرة الحاكمة من أمراء كثر يسعون للإطاحة بولي العهد، عبر دعوات للملك سلمان يحثونه فيها بضرورة التخلي عن ولي عهده قبل وفاته، وآخرون يشتبهون في دوره وتورطه في مقتل الحارس الملكي ومحاولة الإنقلاب على الملك نفسه، كما أن هناك تحركات لبعض القبائل وبعض قيادات الجيش السعودي التي تدفع في هذا الإتجاه، لا سيما بعد المستجدات الأخيرة “استهداف شركة النفط أرامكو/ التوغلات اليمنية بالجنوب …”  .

2/  إسرائيل المرعوبة من القدرات القتالية التي أصبح يملتكها حزب الله في لبنان والخبرات الحربية، هي اليوم محاصرة كذلك على طول جبهة موحدة انطلاقا من جنوب لبنان/ الجولان/ قطاع غزة وما يرتقب حدوثه من تحولات داخل الضفة الغربية/ ناهيك عن العمق الإسرائيلي الموضوع ضمن دائرة الإستهداف … المجتمع الإسرائيلي اليوم قلق على مستقبل وجوده وتواجده في المنطقة ككيان وكدولة، ترسيخ الوجود من عقيدة دينية “أرض الميعاد/ شعب الله المختار/ هدية الله لشعب بلا أرض وأرض بلا شعب” لم تعد تستهوي اليهود ولا بقيت إسرائيل ضمن وجهاتهم المفضلة، أما ما تعيشه اليوم من أزمة سياسية نتجت عن حالة فساد مستشرية وفشل عسكري وانهيار معنويات، وما يترتب عن ذلك من انعكاسات وتداعيات على الأمن الداخلي وعلى أسواق المال والإقتصاد وكل مناحي الحياة الإجتماعية وعزوف أصحاب الرأسمال عن الإستثمار، لن تزيد الصورة إلا قتامة وتوجسا وترقبا لما هو أسوء، العيش على الأعصاب في انتظار الذي قد يأتي أو لا يأتي “الإنتظارية القاتلة” .

3/  أمريكا المفزوعة التي لم تستفق بعد من هول الصدمات وإثقان فن تسديد الضربات وحكمة الرسائل والخطابات … إستهداف حاملات النفط بميناء الفجيرة الإماراتي دون توقيع أربك الحسابات، تلاه حادث حاملتي خليج عمان الذي خلط الأوراق، تبعه مباشرة أسقاط مفخرة أمريكا في الحرب الإلكترونية والاستطلاعية وعمليات التشويش … لكن الأهم والأكثر ردعا الذي شل القدرات وأصاب أمريكا بالذهول والإرباك، إعلان إيران عن أحجامها عن استهداف الطائرة العسكرية المأهولة المرافقة للأولى، مع الإفصاح عن نوعيتها وعدد أفراد طاقمها وتسجيل المكالمات التي دارت بين الإيرانيين والطاقم مع إعلامهم بتوقيت استهداف الغير مأهولة … حقائق أبهرت الرئيس ترامب الذي أشار إليها في إحدى تغريداته وخرجاته الإعلامية، ثم قدم الشكر لإيران عن أحجامها وتوعد وندد باستهدافها .

    ما يسري على حال المملكة العربية السعودية يدب أيضا على الفكر والوجدان الإسرائيلي، شأنهما معا شأن الحامية أمريكا التي لم يعد في مقدورها حماية نفسها، ليس مرده انعدام الوسائل من سلاح وتكنولوجيا ومقدرات عسكرية وخبرات قتالية وقوة ضاربة وصواريخ عابرة وأقمار إصطناعية … وإنما مرده غياب إيمان متأصل بحقوق أو تمسك بعقيدة أو تضحية بالذات مقابل هدف أسمى . الشعب الأمريكي اليوم مل الحروب اللامتناهية التي خاضتها أمريكا منذ نشاتها، كما لم يعد يتحمل متطلباتها وتداعياتها المالية والإنسانية والأخلاقية على البلد، سئم أن يقاتل نيابة على الآخر مقابل المال أو الحظوة والشهرة، سئم رؤية نعوش طائرة ومراسيم عزاء، هو اليوم يريد من إدارته الإلتفات لمشاكلها الداخلية ولبنيتها التحتية وللتغطية الصحية وإيجاد فرص عمل للعاطلين، وإيجاد حلول للهجرة والمخدرات وتصاعد العنصرية التي أصبحت تهدد وجود أمريكا نفسها …

    أمريكا اليوم رأس الأفعى أو كما يسميها الإيرانيون “الشيطان الأكبر” عاجزة اليوم عن إدارة أزمات العالم، عجز لم يسبق له مثيل في تاريخها بعدما كانت صاحبة اليد الطولى طولا وعرضا، إنكفاءتها وانعزاليتها مسألة وقت كما ذهبت إليه كل مراكز التحليل والدراسات ومجمعات التينك تانك … لتبرير وتسويق نهجها الجديد أرادت صيدا إستراتيجيا ثمينا كقربان وامتصاص وقع فشل إستراتيجي أصابها في كبرياء، وهي التي تعودت على أن لا يرفض لها طلب ولا ترد لها أوامر، صورتها اللحظة نمر من ورق أو أسد ضرغام عجوز فقد كل قواطعه إلا من نابين منخورين مسوسين وقعا في حيص بيص من أمرهما “السعودية/ إسرائيل” ، فعلى من الدور بعدما ثبت من المستفيد من محاولة الإغتيال ؟ .

    إجابات حبلى بمفاجآت فلننتظر ونرى ونخلص بالتالي إلى تخريجة منطقية مستساغة تحت عنوان العنوان “تورط ثلاثي وخلاصة واحدة”، فالأخيرة تحيلنا قطعا على تمدد حلف وحلفاء وتبدد محور وأدوات، والقادم من أيام كفيل بالإثبات .

عن هيئة التحرير

2 تعليقان

  1. هذا ابو ايووب

    جرار كبير ولا عند ام امه سالفه ومستغل جهل الشعب المغربي بقضايا الخليج وجالس يفقش علئ الشعب المغربي المشكلة موو هنا لانوو اشكاله واجد الي يغضوو ومفقوسين من السعوديه وشعبها .

    المصيبة انووو بسبب بعد المغرب جغرافياً عن السعودية ومنطقة الاحداث وأضف جهل وساعات كره بعض المغاربة لشعب السعودي والحكومة السعودية صار هذا الجاهل ابو أيوب كاتب فحل وفذ و شار له بالبنان وهوو ما يسوى سباط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مؤسسة المهدي بن عبود ومركز المقاصد والدراسات والأبحاث ينظم ندوة لمساءلة كتاب ” الأزمة الدستورية” للشنقيطي

    شكل كتاب ” الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع ...