توفي شحرور … بزغ التخلف

بقلم : عبد الله الجباري الحسني
بزغ النجم … ونحن نجمنا الخالد هو التخلف، يبزغ أحيانا ويختفي أخرى .
مات ستيفن هوكينج … فوقع الإنفجار العظيم، هل نترحم عليه أم لا ؟
نجحت ميركل في ألمانيا، وقامت القيامة بين المسلمين حول “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” .
هكذا المتخلفون، يصنعون من الأحداث العادية والبسيطة حدثا ضخما وينقسمون حوله وكل يستقوي لرأيه بما يراه دليلا قاصما للآخر .
نحن أمة نستحق التربع على عرش التخلف عن جدارة واستحقاق.
مات محمد شحرور، فقام العرب بهوايتهم المفضلة، الانقسام حوله، منهم من يترحم عليه، ومنهم من يسبه ويلعنه.
صراع من أجل لا شيء.
(لا شيء) تصير قضية كبرى ننقسم حولها.
أولا: لم يسبق لي أن قرأت لشحرور حرفا واحدا، ولم يسبق لي أن شاهدت له شريطا ولو قصيرا، لذا لن أحكم على فكره احتراما لنفسي.
ثانيا: لنفرض أن الرجل كافر قولا واحدا، هل يجوز لنا أن نتبجح بالدعاء عليه وسبه، وأن نفاخر غيرنا بقول: لا رحمه الله، ؟
هذه سلوكيات لا علاقة لها بالإسلام المحمدي الحنيف.
مرت جنازة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام لها، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال ذو الخلق العظيم: أليست نفسا.
قولوا أيها المتدينون زيادة لشحرور: أليست نفسا، واكتفوا. تفوزوا بالاقتداء برسولكم صلى الله عليه وسلم، وتظهروا بمظهر المتخلق.
ما أحوجنا إلى التخلق.
عندي سؤال: هل يجب علينا أن نلعن ونسب الغير؟
بمعنى، إذا لم نلعنه ولم نسبه هل سيحاسبنا الله تعالى؟
الإسلام يقول لكم: قولوا خيرا أو اصمتوا.
علاقة المسلمين بغير المسلمين لم تُبْنَ في نسخة الإسلام الأولى على هذه الانفصامات والعداوات، بل كانت مبنية على المعاملة لا القطيعة بله السب واللعن.
مرة، كان علي بن أبي طالب يعاني من فاقة، فوجد دينارا في السوق، وأخبر به زوجه السيدة فاطمة عليها السلام، فقالت له: اذهب إلى فلان اليهودي واشتر منه دقيقا، فذهب عنده فقال له: أنت ختن هذا الذي يزعم أنه رسول الله؟ قال علي: نعم. قال اليهودي: خذ دينارك ولك الدقيق.
لم تقل السيدة فاطمة: اذهب عند اليهودي لعنه الله وخذ دقيقا.
لعن الآخر ليس تعبدا.
ولما ذهب علي عنده تعامل معه بالحسنى رغم أنه كافر، وقال له عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه يزعم)، هكذا مجرد زعم. ولو كان أخونا الذي يجلس على الفايس الآن يلعن ويسب مكان علي بن أبي طالب حينه لأسمع اليهودي من السباب ما كان سببا لنفور الناس من الإسلام طيلة قرون.
الحمد لله أن أبناء عصرنا لم يكونوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا لنفروا الناس ولما استمر الإسلام عشرين سنة.
متى يفهم الجهلة هذا؟ هذا سوء خلق يمشي تحت عمامة بلحية، ويسوق أنه هو الإسلام
حاشا الإسلام أن يكون هكذا.
مرة، ذبح آل عبد الله بن عمرو شاة، فجاء سائلا: أأهديتم لجارنا اليهودي؟ أأهديتم لجارنا اليهودي؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه.
هكذا كان المسلم يجاور اليهودي.
لم يقل عبد الله بن عمرو: هل أهديتم لجارنا اليهودي لعنه الله.
افهموا أيها المتدينون زيادة، اللعن ليس واجبا، السب ليس مندوبا.
ارتقوا من الحضيض.
ثالثا: هل يجوز سب الأموات؟
بعض المفتين والفقهاء يضيقون الفقه ويبعدونه عن حسن الخلق، منهم من يقول: غن سب الأموات ليس عاما، بل يجوز في حق من فعل وفعل.
هذا خطأ محض، والسنة أمامنا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يسب الأموات ولم يلعنهم وكانوا يهودا،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا، قال ابن بطال: [ يعنى إلى ما عملوه من حسن أو قبيح، وقد أحصاه الله ونسوه، وقد ختم الله لأهل المعاصى من المؤمنين بخاتمة حسنة تخفى عن الناس، فمن سبهم فقد أثم، وقد جاء أنه لا يجب القطع على أحد بجنة ولا نار، وقد قال (صلى الله عليه وسلم) فى الميت الذى شهد له بالجنة: (والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى) . فلهذا وجب الإمساك عن الموتى]
وقال الإمام ابن حزم: [ولا يحل سب الأموات على القصد بالأذى].
هذا هو الفهم الصحيح لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم [لا تسبوا الأموات …] وهو عام لم يرد فيه تخصيص، 
رابعا: قد يعارضنا المخالف بأن صابة قالوا في ميت كلاما حسنا وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، وقالوا في ميتا كلاما سيئا، وقال لهم: وجبت وأقرهم على قولهم وقال لهم أنتهم شهداء الله في الأرض.
أي نعم، شهدوا على الميت بما علموا من فعاله، ولم يسبوه ولم يشتموه، لذا قال ابن بطال [فإن كان الرجل أغلب أحواله الخير، وقد تكون منه الفلتة، فالاغتياب له محرم، وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبة فيه. فكذلك الميت إذا كان أغلب أحواله الخير لم يجز ذكر ما فيه من شر ولا سبه به، وإن كان أغلب أحواله الشر فيباح ذكره منه، وليس ذلك مما نهى عنه من سب الأموات].
من هنا يحق للإنسان أن يتوجه رأسا إلى فكر محمد شحرور، وأن ينتقده نقطة نقطة، وأن ينسفه نسفا، وأن يذكر كل مساوئه الفكرية والنظرية، ولا يحق له سبه ولعنه.
أما السب واللعن والتبجح بأعلى الصوت: لا رحمه الله، فهي عبارات تسيء إلى قائلها لا تتجاوزه، وإذا جُمعت في سجل ونُشرت، فإنها تسيء إلى الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
المسلم الحق يتأسف إن عرف إنسانا مات على غير ملة الإسلام، أو مات عاصيا، ولا يفرح له ولا يتشفى فيه.
المسلم الحق يأسف على موت الكافر والعاصي لأنه مات قبل أن يهديه الله.
المسلم الحق يأسف ويلوم نفسه بأنه لم يفعل شيئا لهداية ذلك الميت.
هذا هو المسلم، ليس المسلم من لبس قميصا وأطلق لحية وأطلق لسانه باللعن والسب.
لو كان هؤلاء المعاصرون في زمان المصنفين الأوائل لألفوا كتبا فيها:
باب وجوب لعن العاصي.
باب وجوب سب المخالف.
ولكن الله سلم. والحمد لله.

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ساكنة حي المطار تعاني من التلوث

بعد مفاوضات ماراطونية  تم تفويض  نظافة المدينة الى شركة  ديريشبورغ  . تم الاجتهاد من طرف ...