24 ساعة

جائزة نوبل للاستسلام: قراءة في مقال الدكتور الريسوني

لعل أشهر الجوائز العالمية التي تحمل طابعا سياسيا هي “جائزة نوبل للسلام”، تلك الجائزة التي تُمنح سنويا للأفراد والمنظمات التي يُفترض أنها قدّمت خدمات جليلة للسلام العالمي. لكن الدكتور أحمد الريسوني، في مقاله النقدي، يطرح رؤية نقدية لهذه الجائزة، خاصة في سياق مواقف الدول العربية إزاء قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، التي يصفها بأنها انتقلت من سياسة “الأرض مقابل السلام” إلى سياسة “الاستسلام مقابل لا شيء”.

يشير الدكتور الريسوني إلى أن السلام الحقيقي لا قيمة له إلا إذا كان عادلا، يحقق الحق ويرفع المظالم. أما السلام الذي يقوم على تثبيت الظلم والعدوان، فهو في نظره مجرد “هدية للطرف الظالم”. وفي هذا السياق، ينتقد لجنة نوبل للسلام التي يبدو أنها تركز على وقف الحروب بأي ثمن، دون اعتبار لتحقيق العدالة. ووفق هذا المنظور، يرى أن اللجنة قد تجد في “الاستسلام” صورة مثالية للسلام، خاصة إذا كان الطرف الذي يستسلم يختار ذلك طواعية، خدمةً للمقولة الشهيرة: “من صفعك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر”.

تتبع المقال مسار السياسة العربية تجاه إسرائيل، بدءا من مبادرة السلام العربية عام 2002، التي اقترحت الاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات طبيعية معها، في مقابل انسحابها من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. ورغم أن هذه المبادرة لم تلقَ قبولا من الجانب الإسرائيلي، إلا أن العديد من الدول العربية اختارت طريق التطبيع مع إسرائيل دون أي مقابل، بل وبشروط تفرضها إسرائيل نفسها.

ويصف الريسوني هذا التحول بأنه يمثل عقيدة جديدة للحكام العرب، قوامها “الاستسلام أقصر الطرق للسلام”. ويتهكم بأن هذا الاستسلام قد يجعلهم مرشحين مثاليين لجائزة نوبل للسلام، لأنهم يقدمون خدمات استثنائية للسلام من خلال خضوعهم التام لإسرائيل، مهما تصاعدت جرائم الاحتلال.

في هذا السياق، يرسم الدكتور الريسوني صورة ساخرة لحكام الدول العربية الذين يتشبثون بالسلام حتى في أشد الظروف إذلالا، معدّدا السيناريوهات التي قد تزيد من معاناة الشعب الفلسطيني، بينما الحكام العرب ما زالوا متمسكين “بالسلام المقدس”. ومن بين هذه السيناريوهات:
– ضم إسرائيل لمزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية.
– تهويد القدس والمسجد الأقصى.
– إبادة الفلسطينيين وتهجيرهم.
– قطع الماء والغذاء والدواء عن الشعب الفلسطيني.

وفي كل هذه الحالات، يرى أن الحكام العرب سيظلون رافعين راية السلام، حتى لو كان ذلك على حساب كرامة شعوبهم وحقوقهم.

في ختام مقاله، يقترح الدكتور الريسوني بتهكم منح الحكام العرب “جائزة نوبل للاستسلام”، لأنهم يقدمون لإسرائيل خدمات استثنائية تتجاوز مجرد التطبيع، بل تشمل التعاون والتنسيق لحماية الاحتلال ومصالحه. ويعدد المزايا التي ستجنيها الجائزة إذا مُنحت لهؤلاء الحكام، ومنها:
1. أن الفائزين سيدفعون بأنفسهم القيمة المالية للجائزة بدلا من تلقيها.
2. أنها ستسجل سابقة في تاريخ الجائزة بتكريم “الاستسلام” كوسيلة لتحقيق السلام.
3. أن القادة العرب الفائزين سيمثلون آلاف المسؤولين والجنود الذين يشاركون في حماية إسرائيل.

من خلال هذا المقال، يقدم الدكتور الريسوني نقدا لاذعا للسياسات العربية تجاه القضية الفلسطينية، متهمًا الحكام العرب بأنهم اختاروا طريق الاستسلام الكامل، دون أي مقابل يذكر. وهو يرى أن هذه السياسات لا تسهم فقط في تثبيت الاحتلال الإسرائيلي، بل تكرّس الظلم والعدوان على الشعب الفلسطيني، مما يجعل الحديث عن “السلام” مجرد شعار فارغ لا يعكس أي مضمون حقيقي.

مقال الدكتور الريسوني ليس مجرد قراءة في جائزة نوبل للسلام، بل هو صرخة احتجاج ضد السياسات العربية التي يرى أنها تخاذلت أمام الاحتلال الإسرائيلي، واختارت طريق الاستسلام بدلا من المطالبة بالحقوق والعدالة. وبأسلوبه الساخر، يثير تساؤلات عميقة حول معنى السلام الحقيقي، وهل يمكن أن يتحقق في ظل الظلم والعدوان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى