حديث الأربعاء : الهندسة الآنتخابية وفنون التحكم في نتائج الآنتخابات

بقلم جمال وفدي
منذ القديم تعرف الآنتخابات عدة طرق وأساليب يتم التفنن فيها كي لا تأتي نتائجها بمفاجأت قد تكون صادمة مع ترك هامش صغير بأبواب مفتوحة على مصراعيها لجس نبض الإرادة الحقيقية للناخبين …
ففي الفترة التي كانت صناديق الآقتراع خشبية لا يُرى مابداخلها، يحكى أن الصناديق كان يتم حشوها بأعداد مهمة من أوراق المرشح المراد دعمه قبل المجيء بها لمكاتب التصويت بل أكثر من ذلك ما جاء في رواية “يوميات نائب في الأرياف” للأديب المصري توفيق الحكيم عن كون العمدة الذي يمثل السلطة كان يشرف على عمليات نقل صناديق الآقتراع من مكاتب التصويت إلى حيث يتم عد وفحص أوراق التصويت للإعلان عن الفائز وفي الطريق كان يعمد إلى تغيير الصناديق الحقيقية بأخرى جاهزة مسبقاً تُقدّم للجنة الفحص في حين يتم رمي الصناديق التي تعبر عن إرادة الناخب في النيل !!!
ومع اعتماد الصناديق الشفافة كنوع من الشفافية وعربونا على النزاهة وتكافؤ الفرص كان لزاماً أن تظهر معها فنوناً جديدة متطورة تواكب العصر لتقفز على مستجدات القوانين وتفرض نفسها لكون القواعد وُضِعت لتجاوزها لا للعمل وفقها فقط !!!
ومن بين الأساليب المبتكرة التي لازال العمل بها جاريا نجد عملية التقطيع الآنتخابي الذي يؤتى به لتحقيق التوازن الديمغرافي وتجانس النفوذ الترابي لكنه يُستغل في غير ما جيء به من أجله، إذ يُعتبر التقطيع الآنتخابي من العوامل الأساسية المؤثرة في نتائج الآقتراع وتوجيه الآنتخابات وذلك حين لا يتم تطبيق معايير ومبادئ التقطيع بدقة وعدم آلتزام الحياد السياسي بتغليب كفة على أخرى عن طريق هندسة وآصطناع دوائر تبدو متساوية في حين أنها مُفصّلة على مقاس المُنعّمين برضى السلطة، ومن جهة أخرى تكون بمثابة وبال على مرشحين معينين فيتم تفريق الأصوات الموالية لهم وتشتيتها هنا وهناك، ففي حالات عديدة نجد أُسراً يعيش أفرادها تحت السقف الواحد لكنهم مسجلين بدوائر مختلفة فالزوج يصوت بدائرة وزوجته تدلي بصوتها في دائرة أخرى أو تمتنع عن الذهاب أصلاً لمكتب التصويت لكونه لاتربطها به أي علاقة سوى مزاجية من أوكل إليهم بمهمة الإشراف على التقطيع الآنتخابي والذين يستغلون عدم خضوع هذا الأخير لأي مراقبة فيتلاعبون كيف شاءت رغبات من يسبحون معهم في فلك واحد، ومن أبرز نتائج تلك التلاعبات أيضاً هناك مستشارون جماعيون سبق لهم تمثيل ساكنتهم بدوائرهم المعتادة وجدوا أنفسهم مسجلين بدوائر أخرى لاعلاقة لهم بها ومنهم من وجد نفسه غير مسجل أصلا …
وهناك أسلحة أخرى يتم آستعمالها ويُلجأ إليها للتحكم في النتائج الآنتخابية هناك سلاح التسجيلات في اللوائح الآنتخابية والتشطيب منها حيث يتم الولوج إليها عبر بوابة الغش والتدليس لرفض تسجيلات بعض المواطنين وحرمانهم من ممارسة حق من حقوقهم التي يخولها لهم الدستور وبالمقابل تجد تسجيلات متكررة لناخبين أخرين ولاءهم معروف بشكل قبلي، ولأجل خطة محبوكة يختفي الجدول التعديلي للوائح الآنتخابية المحصورة والمراجعة ولا يتم نشره وتمكين الناخبين منه لإبداء أرائهم وملاحظاتهم ممّا يساهم في إهدار حق العديد من المواطنين في الآضطلاع على وضعية طلبات قيدهم إن كانت لاقت القبول أم لا ومعرفة أسباب الرفض إن كان هناك رفض !!!
ويبقى كل ما سردناه وأُشيرَ إليه مجرد أمثلة لغيض من فيض في بحار ومحيطات الهندسة الآنتخابية التي لا حدود لها ولا قرار …
أذكر أنه في أيام الطفولة ومع بداية الثمانينات كانت هناك آنتخابات جماعية ومن بين المرشحين لها أحد أعيان منطقتنا أنذاك الذي كان له بيتاً كبيراً بساحة فسيحة وحديقة واسعة وكان يحيط بالبيت ككل سور ببوابة كبرى، ومن العجائب الغرائب أن السلطة آعتمدت مرآباً للمرشح كمكتب للتصويت والمرآب يوجد ببيت المرشح ولايمكنك الولوج إليه إلاّ عبر تلك البوابة الكبرى …
فكنتَ يوم الآقتراع تشاهد الناخبين والناخبات يتقاطرون ويتوافدون على بيت المرشح لأداء واجبهم الوطني وممارسة حقهم الدستوري ومن تمّ واجب الضيافة بالبيت الكبير …
وهناك سؤال لايزال معلقا ولم أجد له جوابا ولو آفتراضياً ألا وهو: هل قام المرشحون الخصوم بممارسة حقهم الدستوري وأداء واجبهم الوطني ؟؟؟





