حديث الساعة

بقلم أبو أيوب

    لا صوت يعلو اليوم فوق صوت هدير أمواج مياه الخليج والبحر الأحمر والأبيض المتوسط . ونجوم الحلقة هم إيران وحلفاؤها وكومبارسها أمريكا وأدواتها، على طول جغرافية المنطقة اليد الطولى من نصيب الأولى بينما الإرباك والإرتباك حليف الكومبارس ورأسه .

    فلنعد قليلا إلى الوراء وبالضبط ابتداءا من سنة 2006، أي بعد ثلاث سنوات على غزو العراق وقبله أفغانستان، يومها استأسدت أمريكا وأنتفخت أوداج أذنابها وأدواتها ثم أعلنت عن ميلاد شرق أوسط جديد، ركيزته الأساس بحبوحة عيش وأمن واستقرار الربيبة أو طفلها المدلل إسرائيل، على حساب أدوات عربانية متواطئة وبأموالها متورطة . تلكم ألسنة شهدت فرملة المشروع الأمريكي والحد من اندفاعته و من ثمة بداية إجهاظه إقباره .

  • نشوب أطول حرب في تاريخ الربيبة إسرائيل “33 يوم” خاضتها ضد حزب الله جنوب لبنان، بينما الحرب متقدة مشتعلة خرج علينا يومها الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية، بتصريحات نارية مؤلبة ومنددة مستنكرة لما تقوم به لبنان دفاعا عن أرضها وعرضها، و كأن السيد الوزير السعودي أمسى ناطقا رسميا باسم وزارة خارجية الكيان ووزارة دفاعه . ماذا كانت النتيجة ؟ أكيد خراب ودمار وتهجير لم يسلم منه العمق الجغرافي للمتحاربين، لكن بالبعد الإستراتيجي شكلت الحرب ضربة قاسمة للكيان وللمشروع الأمريكي على حد سواء “نهاية أساطير، الجيش الذي لا يقهر/ دبابة الميركافا/ المدمرة الحربية ساعر/ الجبهة الداخلية المؤمنة الآمنة …”.
  • 2008 لترميم الصورة المهزوزة واسترجاع بعض من هيبة وكبرياء، بادرت إسرائيل بشن حرب على قطاع غزة المحاصر والمجوع، حيث أمطرت القطاع بعناقيد الغضب والرصاص المسكوب …، لكن النتيجة في بعدها الإستراتيجي أكدت حقيقة أن إسرائيل أهون من بيت العنكبوت، وأن أمريكا حاميتها مهما ما بلغته من قوة وسطوة وجبروت تبقى غير قادرة على إتمام المشروع، وهذا ما لوحظ بداية 2009 من خلال الإعلان عن بداية الإنسحاب العسكري من العراق، بعدما ضاق درعها برؤية النعوش الطائرة والمرضى النفسانيين ومئات الدبابات والمجنزرات والناقلات العسكرية من نوع هامفي والمطرقة “hammer” وهي مدمرة .

    الحرب بالأصالة لم تعد تجدي نفعا، وخلاصة ما توصلت له مراكز البحوث ومجاميع التينك تانك والإدارة الأمريكية، لذا وجب تغيير النهج والخطة، وفي الأخير اهتدت بداية سنة 2011 إلى مقاربة نخر المجتمعات العربية من الداخل من خلال ما تم تسويقه ربيعا عربيا، تلته مباشرة حروب بالوكالة بتمويل مالي من الأدوات، وتغطية تعتيمية إعلامية من الأدرع الفضائية لمماليك الخليج، الهدف منها تأليب الضمير الشعبي على من كان سببا في إفشال المشروع الأمريكي، من خلال شيطنة حزب الله اللبناني وتخوين حماس والجهاد الإسلامي ومحاولة إركاع سوريا واستصغار دور العراق … لتبقى الملكيات المحميات لبني النضير وبني قريضة الخليج في منآى عن تأثيرات الخربف العربي .

    ودون الرجوع إلى الحيثيات والتفاصيل الذي استتبعت هذا الخريف وما خلفه من دمار وخراب طال أكثر من رقعة، حرب دولية متعددة الأطراف على سوريا، عمليات إرهابية أشد وقعا في العراق والإعلان عن ميلاد داعش وأخواتها من نصرة وفيلق الرحمان … عمليات انتحارية ببيروت وأخرى بسيناء وقصف بالدرونات في اليمن … نكتفي بخلاصة الهدف من الحرب والربيع، إشغال الشعوب العربية وتحويل البوصلة في محاولة لإركاع من أهدى انتصار حرب تموز 2006 للعرب والمسلمين، ومن وفر لهم الدعم والمساندة بالمال والسلاح وناصرهم وشد عضدهم .

    كالعانس الشمطاء التي وصلت سن اليأس، باشرت أمريكا بمفاوضات من خلف الستار مع من تعتبرها رأس الأفعى في عملية الإحباط والاقبار لمشروعها بشرق أوسط جديد، ولسان حالها ينطق بالإلتفاف والمراوغة وتحييد الدور الإيراني في معادلة المنطقة، محاولة دق إسفين بين إيران وحلفائها عبر عرض الجزرة والسوط معا، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل ولم تلو على شيء يذكر. مخططها في جعل العراق منصة أمريكية تهاوى بفعل ضربات المقاومة والحشد الشعبي، نيتها المبيتة ضد سوريا قاربت على طي صفحتها الأخيرة وإعلان النصر المؤكد، محاولتها حصر نفوذ حزب الله اللبناني وشيطنته ووسمه بالإرهاب لم تقو على الثبات، فتوسع الحضور وانتشر النفوذ خارج الحدود إلى أن وصل العراق وسوريا واليمن … ماذا بقي إذن في جعبتها ؟ .

    الرضوخ التام للمطالب المشروعة لإيران ودخولها النادي النووي من أوسع أبوابه على ضوء الإتفاق النووي سنة 2015، كانت هذه أبرز مراحل الفشل الأمريكي حيث عبر الرئيس أوباما بامتعاض عن عدم قدرة أمريكا على لي الدراع الإيراني، وأن الإتفاق أقصى ما يمكن التوصل إليه ضمن معادلة السيء والأسوء، فتم ترسيم الإتفاق تحت راية الأمم المتحدة بقرار لمجلس الأمن الدولي، بعده تنفس العالم الصعداء وحفظ ماء وجه الجميع لتطوى صفحة وتفتح أخرى بالوكالة .

    وبعيد أيام قليلة على صدور القرار، أطلقت أيادي بني كليب الخليج لتعيث دمارا وخرابا في اليمن السعيد بذريعة الحفاظ على الشرعية والأمل في غد أفضل, عملية “restore hope” التي جيشت السعودية من خلالها تحالفا عربيا من حوالي 34 دولة شاركت في البغي والعدوان، ولسخرية القدر العملية السعودية يمكن اعتبارها بالولد اللقيط من أم أمريكية، وهي إشارة لمثيلتها التي باشرتها القوات الأمريكية في الصومال ضد الجنرال عيديد، حيث كان الفشل الذريع والتأريخ المفزع من خلال فيلم أمريكي تناول الفاجعة بعنوان “black hawk down” صورت بعض من لقطاته بمدينة سلا المغربية . عن ماذا أسفرت النتائج اليوم ؟ .

    تفكك الحلف العربي إربا إربا وتشظى ولم يبق منه إلا حديث خذلان وعجز وتخوين … ، لا أمل ولا بسمة أعيدت لليمن عدا صور الدمار والقتلى والمجوعين، صور أزمة إنسانية لم يعرفها تاريخ البشرية الحديث، صور مروعة تذكرنا بما قامت به الصنوة التي رضعت الحليب الوهابي من أمثال داعش والنصرة وقبلهما القاعدة بأفغانستان والغرب الأسلامي وبوكو حرام بنيجيريا وجماعة أبو سياف بالفلبين … تعددت الأفرع والهدف واحد، تلطيخ سمعة وسماحة الدين الحنيف وشيطنة معتنقيه والداعين لتحرير المقدسات والدود عن العرض ومناصرة المظلومين .

    هنا أود الإشارة إلى تاريخ تصنيع تنظيم القاعدة بزعامة الفلسطيني عزام، تنظيم ظهر للوجود مباشرة بعيد تأسيس حزب الله اللبناني، حيث يعتبر الأول صناعة أمريكية بامتياز وفق ما صرحت به السيدة الأمريكية الأولى ووزيرة الخارجية السابقة الفاتنة هيلاري كلينتون . وهو بالمناسبة محاولة أمريكية لخلق صراع شيعي سني سوغ من منطلق مقاومة، فرمزية مؤسس القاعدة وأصله الفلسطيني ومذهبه السني، في مقابل رمزية تنظيم لبناني مقاوم بمرجعية شيعية على بعد أمتار معدودة من فلسطين يسهل وصفه بالإيراني انطلاقا من المعتقد والمذهب. هذا بالفعل ما توضح لاحقا من خلال تصريح عاهل الأردن الراحل الملك حسين، حين أعلن عن الهلال الشيعي الممتد من إيران واليمن والعراق وسوريا ولبنان، مسوغ أعرابي لا بديل عنه للتقرب والإصطفاف والحضوة بالتفاتة أمريكية مطمئنة لدعم الإستقرار والأمن والرخاء … للدول المتكالبة والمتآمرة .

    هنا أود طرح بعض الأسئلة : ألم تكن إيران أيام الشاه شيعية المذهب والعقيدة ؟ ألم تستولي إيران الشيعية أيامه على الجزر الإماراتية الثلاث ؟ ألم يكن الشاه آنذاك دركي الخليج بدون منازع ؟ ألم تكن العلاقات معه طيبة ممتازة طبيعية وتطبيعية مع كيان غاصب ؟ أم أن أدويته من ضمن ما بقي من أدوات أمريكية بالمنطقة شفعت له وتم التراضي والتغاضي ؟ ثم أين كانت الأردن والسعودية والإمارات حينها ؟ أم أن الأمريكي لم يكن يهش عليهم في ذاك الوقت بخلاف اليوم وبالتالي كانوا كلابا مروضة طيعة ؟ فماذا تغير اليوم ؟ إيران لا زالت شيعية وتسكنها طوائف عربية سنية بالأهواز تحافظ على عاداتها وتقاليدها بكل أريحية ودون إكراه، بالتالي لماذا لم يتم تشييعها كما تدعي الأعراب الخانعة ؟ .

    إنها الإيرانوفوبيا التي يقض المواجع اليوم، نهضتها وتقدمها في كافة المجالات “هندسة/ طب/تعليم / علوم الفضاء/ صناعات تسليحية/ فلاحة/ معلوميات …”، تصدير النهضة للجوار يرعبهم لأنهم ببساطة ألفوا صناعة التجهيل والأمية، لتبقى الشعوب منبطحة وفية، دوابا ثنائية الحوافر لا تصلح إلا للغمز واللمز والهمز وهز يا وز، أما العبقرية فقد غضوا الطرف عنها لصالح بني عمومتهم من أبخاز و أشكيناز وسفارديم فلسطين .

    عنوان اللحظة، إسرائيل المرعوبة وأوروبا المهزوزة وأمريكا المهزومة، أما الأعراب فلا مكان لهم من الإعراب . ترنح النسر الأمريكي بداية من سنة 2006 وانهزامه إلى حدود الساعة، أرعب الربيبة المحمية إيذانا بانتهاء زمن العنتريات وبداية أفول نجمها الساطع في منطقة الشرق الأوسط، ولعلي بها اليوم أستذكر أيام زمان عندما كانت تعرف سكنات وضربات قلب كل حاكم عربي وبماذا يفكر به في خلوته . أما الآن فقد أصبحت فريسة وطريدة محاصرة لا تقوى على فعل شيء سوى النباح . كل جنرالاتها السابقون والحاليون أجمعوا على عدم جاهزيتها لأية حرب مستقبلية، وأن جبهتها الداخلية غير مستعدة ولا قادرة على امتصاص وقع صواريخ غزة وجنوب لبنان، فضلا عما تعرفه الضفة الغربية من مستجدات وأحداث “مهاجمة أطفال في عمر الزهور للجنود الإسرائيليين مثال”. لكن الأفظع والأرعب تهديدات حزب الله باجتياح الجليل واستهداف مصانع الأمونيا قرب تل أبيب، ما يشكل في حد ذاته وقع قنبلة نووية .

    أما أوروبا المهزوزة على وقع الإنسحاب الأمريكي من الإتفاق النووي، وما تلاه من تداعيات على اقتصادياتها وما تبعه من تنصل إيراني لبعض بنود الإتفاقية وازدياد منسوب التخصيب وجرأة احتجاز الناقلة البريطانية، فضلا عما أصاب كبرياء الأخيرة وإرغامها على إطلاق ناقلة النفط الإيرانية وعدم استقرار السوق النفطية، إضافة للعجز التجاري المسجل اليوم وارتفاع البطالة وما ينتج عنها من بوادر أزمة إقتصادية خانقة لم يسبق لها مثيل … بفعل تأثيراتها الحالية ساد التوجس من المستقبل وترقب الأسوء، إنكماشة حضارية واقتصادية بدرجات متفاوتة قد تؤدي إلى تفكك هياكل الإتحاد الأوروبي “بريطانيا مثال وقد يتبعها البعض تخليا عنه اليونان والبرتغال مثال” .

    لتبقى في الأخير أمريكا وحدها تغرد خارج السرب مقلمة الأظافر مكسورة الجناح. لا هي بقادرة على شن حرب ولا في استطاعتها تشكيل قوة دولية ضاربة . الأخبار الآتية من دولة العم سام تفيد بإجتماع على أعلى المستويات “البنتاغون/ مجلس الأمن القومي/ وزارة الخارجية/ وكالة الإستخبارات …” اجتمعوا وتدارسوا موضوع الإسراع في سحب القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق وسوريا، وهو ما يعني ضمنيا هزيمتها وفشلها وارتعاد فرائصها وقد يصار إلى الإعلان عن الإنسحاب الكلي من منطقة الخليج والشرق الأوسط، طبعا الأمر يتطلب وقتا وتحضيرا لكن منتهاه انسحاب وعدم التزام بالحماية، هذا ما تعنيه الرسالة المراد إيصالها للأدوات بالمنطقة . أدوات استنزفت أموالها وتم السطو على ودائعها ولم تعد تقوى على الحركة، عدا هرولة في اتجاه إيران بحثا عن أمن وأمان .

    تقارب و اصطفاف ربما قد يشفع لهم في أزمة سوريا والعراق، وقد ينسيها التآمر والخيانة في فلسطين ولبنان، وقد يقيها لعنة اليمن والصومال والسودان . اليوم بعد انفراط عقد التحالفين الأمريكي والعربي، تطالعنا الأخبار عن أكبر هجمة يمنية بعشر طائرات مسيرة استهذفت حقل الشيبة السعودي على الحدود مع الإمارات، رسالة ببعدين في اتجاه الإثنين، خبر أكدته من بقيت وحدها متحالفة مع نفسها بعدما هجرها الصديق وذمها اللصيق وتفرق من حولها الرعاع من بني القينقاع، ليصدق عليها القول “هكذا جنت براقش على نفسها وأهلها ” أو كما قال الحق ” يا أيها الذين آمنوا لا تتخدوا اليهود والنصارى أولياء …….” صدق الله العظيم .

    بداية نهضة إسلامية تلوح في الأفق، ركيزتها الأساسية عقيدة سمحة بعيدة عن المذهبية “سنة/ شيعة” ومنطلقها ماليزيا إيران، لها حلفاء وليس أدوات تبتغي عزة وشموخا وأنفة أمة إقرأ .

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

وزراء البيجيدي يواصلون سباق التعيينات واعمارة يُطيح بـ11 مسؤولاً لتعيين مُواليه قبل نهاية ولايته

وزراء البيجيدي يواصلون سباق التعيينات واعمارة يُطيح بـ11 مسؤولاً لتعيين مُواليه قبل نهاية ولايته