حذاري نقاش ثمن الاضحية هو حرب على الاسلام والمسلمين
بقلم : عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

حين تُحاصَر الشعيرة بين جشع السوق وصخب المنصات: عيد الأضحى ليس للبيع
ليس عيد الأضحى مجرد مناسبة عابرة أو طقس اجتماعي موسمي، بل هو شعيرة عظيمة من شعائر الله، تحمل في عمقها معاني الطاعة والتضحية والتقرب إلى الخالق. يقول الله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]
غير أن ما نشهده اليوم من هرج ومرج على وسائل التواصل الاجتماعي، حول أسعار الأضاحي وما يُسمّى بـ”لوبي الأضاحي”، تجاوز حدود النقاش المشروع إلى حالة من الفوضى التي تُشوّش على جوهر هذه الشعيرة، وتُفرغها من بعدها الروحي.
لا أحد ينكر أن هناك اختلالات في السوق، وأن بعض الوسطاء والمضاربين قد يستغلون المناسبة لتحقيق أرباح مبالغ فيها. هذا واقع يجب التصدي له عبر آليات المراقبة والمحاسبة. لكن تحويل هذا النقاش إلى موجة هستيرية، تُغذّي التذمر وتُشيع السخط، وتُحوّل العيد إلى أزمة نفسية واجتماعية، هو انحراف خطير عن المقاصد الحقيقية لهذه الشعيرة.
النبي ﷺ يقول:
“إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئاً” (رواه مسلم)
وهذا الحديث يذكّرنا بأن الأضحية عبادة قبل أن تكون ممارسة اجتماعية، وأن الاستعداد لها يكون بالنية والتقرب، لا بالانخراط في صخب السوق والجدل العقيم.
إن الأضحية سنة مؤكدة لمن استطاع إليها سبيلاً، وليست فرضاً يُثقل كاهل الناس أو يدفعهم إلى الاستدانة أو التباهي. يقول تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
فمن لم يستطع فلا حرج عليه، ومن استطاع فليُعظم هذه الشعيرة دون أن يجعلها ساحة استعراض أو تنافس اجتماعي مَرَضي.
والأخطر من ذلك، هو أن يتحول هذا الجدل إلى خطاب يُشكك في جدوى الشعيرة نفسها، أو يُقدّمها كعبء غير مبرر. هنا نكون أمام منزلق مقلق، لأن الأمر لا يتعلق فقط بسوق أو أسعار، بل بمنظومة قيم دينية راسخة. يقول الله تعالى:
﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 37]
فالغاية ليست في اللحم ولا في المظاهر، بل في التقوى والنية الصادقة.
إن تضخيم الحديث عن “لوبي الأضاحي” بهذا الشكل، دون تمييز بين النقد المشروع والتشويش غير المسؤول، يفتح الباب أمام خطاب يُضعف ارتباط الناس بشعائرهم، ويزرع الشك بدل اليقين. وهذا ما يتطلب وعياً جماعياً يوازن بين الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطن، وحماية المقدس من الابتذال.
نعم، يجب ضبط الأسواق، ومحاسبة المحتكرين، وحماية المستهلك. لكن في المقابل، يجب أن نعيد توجيه النقاش نحو جوهر الشعيرة، وأن نُخرجها من دائرة الاستهلاك والضجيج إلى فضائها الحقيقي: فضاء الإيمان والتقرب.
عيد الأضحى ليس أزمة أسعار… بل اختبار إيمان.
وليس مناسبة للضجيج… بل موسم للتقوى والتضامن.
إن المسؤولية اليوم لا تقع فقط على عاتق الدولة أو السوق، بل تمتد أيضاً إلى العلماء والأئمة والخطباء، الذين يحملون أمانة التوجيه والتبصير. إن المرحلة تقتضي منهم أن ينهضوا بدورهم في توعية المسلمين بعظمة شعيرة الأضحية، وترسيخ معانيها الحقيقية القائمة على التقوى والإخلاص، بعيداً عن المظاهر الفارغة أو الضغوط الاجتماعية. عليهم أن يذكّروا الناس بأن الدين يسر لا عسر، وأن الأضحية سنة لمن استطاع، لا باباً للتكلف أو التباهي. فبخطاب ديني متزن ومسؤول، يمكن إعادة الاعتبار لهذه الشعيرة، وحمايتها من التشويه، وتوجيه الناس نحو ممارستها باعتدال يحقق مقاصدها الروحية والاجتماعية.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





