حسن الاختيار و تبوؤ الاقتدار

بقلم أبو أيوب

    أدريان داريا 1 الإسم الذي حملته حاملة النفط الإيرانية بعد الإفراج عنها من لدن سلطات جبل طارق، إسم فارسي ذو معاني دالة على قوة وصلابة الموقف الإيراني، معناه بالعربية مياه البحر الحمراء احمرار الدم في العروق، بتغيير إسمها من غرايس 1 وحملها علم الجمهورية الإيرانية بدل علم بنما بلد التسجيل، تكون إيران قد أرسلت رسالة قوية للأذناب عامة وللولايات المتحدة الأمريكية خاصة إن هي تجرأت واعترضت طريق الحاملة، فحوى الرسالة ومضمونها أن ما وقع لحاملة النفط البريطانية أثناء عبورها مضيق هرمز، من غير المستبعد ومن المحتمل جدا أن يقع للسفن التجارية التي تحمل علم أمريكا .

    اليوم إيران تفاجئ الخصم الأصيل والوكيل معا بشكل تسلسلي تصاعدي، من خلال نقلة نوعية بامتياز تشد الأنفاس وتجعل الأعداء يفكرون ألف مرة قبل اتخاذ أي قرار، انتقالها من الدفاع الإستراتيجي إلى الهجوم الإستراتيجي سمة المرحلة الحالية .

    وبمناسبة اليوم الوطني للصناعات العسكرية الدفاعية، كشف الستار على منظومة دفاع جوي تحت إسم باور 373 من صنع محلي أفضل تقنية من الاس 300 الروسي وأقل من الاس 400, من خاصياته اعتراض كل أنواع الصواريخ والطائرات الحربية والقاذفات على علو 27 كلم وبمدى يفوق 300 كلم، بإمكانه تتبع ورصد حوالي 100 جسم طائر من مختلف الأحجام وبمنهجية رصد بالأولوية لستة أهداف دفعة واحدة .

    ولمزيد من المفاجآت، تم عرض نوعين مختلفين لقنابل ذكية دقيقة ومجنحة يمكن حملها بواسطة طائرات حربية أو إطلاقها على شكل درونات مسيرة غير قابلة للرصد بواسطة الرادارات، بمفعول تدميري كبير قابل لاختراق المنشآت المحصنة والدروع . ويأتي الكشف بعيد أيام قليلة على تدشين مناورات تدريبية للغطس ورجال الضفاضع التابعة لقوات الحرس الثوري دراعها الضارب، وقبل أيام على بدأ المناورات العسكرية المشتركة بينها وروسيا في خليج عمان والمحيط الهندي وبحر قزوين، مناورات قد تدوم حتى أواخر السنة الحالية .

    تزامنا مع الأنشطة العسكرية المتسارعة التي يعتبرها معظم الخبراء العسكريين بمثابة عمليات ردعية استباقية، تبرز على السطح مناورات سياسية لا تقل أهمية يمكن إدراجها ضمن خانة الهجوم الإستراتيجي. الأخبار القادمة من فلندا التي تترأس حاليا الإتحاد الأوروبي، تفيد بإحراز تقدم في المفاوضات بين إيران وأوروبا فيما يتعلق بالإتفاقية النووية وضرورة التمسك بها وتنفيذ كل مخرجاتها، كسبيل وحيد لا محيد عنه لعالم خالي من أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية … كما أشارت نفس الأخبار إلى احتمالية زيارة وزير الخارجية الإيرانية لفرنسا ولقائه المرتقب مع الرئيس ماكرون .

    تكثيف اللقاءات الديبلوماسية لصقر الديبلوماسية الإيرانية وكثرة أنشطته السياسية مع مختلف الفاعلين الأوروبيين، إن دل على شيء فإنما يدل على الفشل الذريع الذي منيت به العقوبات الأمريكية المفروضة عليه، بحيت التمرد الأوروبي وعدم الإنصياع للإملاءات الأمريكية وتجاهل كل نداءاتها أضحت هي السمة اللحظية البارزة، آخرها ما قامت به سلطات جبل طارق التابعة للتاج البريطاني، وتجاهلها الصريح لمذكرة وزارة العدل الأمريكية القاضية بعدم الإفراج عن الناقلة الإيرانية، في الوقت الذي كان يجتمع فيه مستشار الأمن القومي الأمريكي السيد جون بولتون ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وهذا في حد ذاته بحسب المحللين، ما يعتبر انتكاسة بوقع صفعة منيت بها السياسة الدولية لأمريكا في مجمل مقارباتها للأزمة مع إيران وملفها النووي، حيث أدلت تيريزا ماي قبل مغادرتها رئاسة الوزراء البريطانية أن الإتفاق النووي مع إيران خير وسيلة لمنع الأخيرة والحيلولة دون امتلاكها السلاح النووي .

    ينضاف ما سبق ذكره إلى تسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط و الخليج . استهداف حقل الشيبة السعودي المحادي لدولة الإمارات العربية بعشر طائرات مسيرة دفعة واحدة، مع ما حمله من رسائل للدولتين معا وما سبقه من استهداف لمدينة الدمام جنوب شرق السعودية على بعد حوالي 1200 كلم، وما تبعه من إسقاط طائرة درون أمريكية فوق العاصمة صنعاء بصاروخ حوثي بداية الأسبوع الحالي، اضطرت معه أمريكا للإختباء وراء الأدوات والأذناب بالمنطقة حيث أوعزت للربيبة إسرائيل القيام بما يحفظ ماء الوجه، من خلال استهداف قاعدة صقر التابعة لقوات الحشد الشعبي بالعراق وتدمير بعض المخازن والمنشآت العسكرية التابعة للحشد، بواسطة ثلاث طائرات مسيرة إسرائيلية رصدت في سماء المنطقة قبيل دقائق معدودة، إثره سارعت أمريكا إلى نفي أية مسؤولية أو علاقة لها بالحادث، رغم سيطرتها الجوية ومن خلال الطلعات الإستطلاعية على المنطقة المستهدفة .

    عملية المراد من ورائها بعث رسائل للإيرانيين من خلال استهداف حليفهم قوات الحشد الشعبي العراقي، لكن دون تحمل وزر الفعل وتداعياته، عملية يرى فيها البعض محاولة لدق إسفين بين الحشد وباقي الفرقاء السياسيين داخل العراق، وبين إيران وحليفها الحشد الشعبي ليصار من بعد إلى احتواء اندفاعة العراق واصطفافه بجانب إيران، ثم الحيلولة دون اقتسامه النظرة التشاركية معها في معادلة أمن الملاحة والحركة التجارية بالخليج، إذن بحسب النظرة هي حركة إجهاظية للمسعى الإيراني وفي نفس الوقت رسالة مشفرة لكل من السعودية والإمارات والكويت وسلطنة عمان وقطر، بعد انطلاق الهرولة وتوقيع الإتفاقيات بين خفر السواحل لكل الدول المشاطئة لمياه الخليج .

    تحركات وهرولة مماليك الخليج أقلقت الأشقر الفظ وزادت من تشنجه وارتباكه ولم يقو على مشاهدة المزيد، ولسان حاله كطفل صغير يبكي على اقتراب مرحلة الفطام، فطام قد يغلق انسياب صنابير أو يحد من تدفق حليب بترودولاري ألفته أمريكا منذ وقت طويل . فتسارع الأحداث بهذه الوتيرة ينبئ كما أشرنا له في مقالات سابقة، باقتراب أفول إمبراطوريتين إحداهما أصيلة ” بريطانيا” والأخرى وريثة ” أمريكا”، فالاولى استحودت على البحار والمحيطات لقرابة 5 قرون ونيف خلت لتحل محلها الوريثة بداية القرن التاسع عشر، لتبقى خلاصة المقال لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان .

    بداية الإنكماش والإنعزالية قربت، ومن به ريب ما عليه سوى الإطلاع على مخرجات إجتماعات وجلسات مراكز النفوذ وتسطير السياسات بالولايات المتحدة الأمريكية ” البنتاغون/ الكونغرس/ مجلس الأمن القومي / وكالة الإستخبارات/ شركات تصنيع السلاح …..”، كلها خلصت إلى سحب القوات من بؤر التصادم والحروب بدء بأفغانستان …

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل تعيد الإنتخابات الرئاسية التونسية إحياء آمال الشعوب في انتقالات ديموقراطية في البلدان الشرقية ؟

بقلم بوبكر أنغير     يوم الاحد 14 شتنبر 2019 ، تشهد تونس انتخابات رئاسية ...