حلقات اعتراف بعالم من علماء دكالة “الحلقة الثالثة” -العلامة محمد رياض-

تاليف: عبد الرحيم بوشعيب مفكير

هذا العمل إهداء لروح العلامة محمد رياض

 

رياض المعلم:

    يسر الله لنا لقاء واحد من الجيل الذي تتلمذ على يد العلامة محمد رياض واعتز بغزارة علمه وجودة أفكاره، وسعة بحثه، وكثرة تأليفه.

    لم يجد الفقيه عمر الخياطي ما يقول وعجز لسانه عن التعبير وقلمه عن خط بعض من سيرة الفقيد، فغابت عنه العبارات، واختفت الكلمات، ووجد نفسه أمام واقع لا يختلف اثنان فيه، وهو أن الشيخ سيدي محمد رياض، كما سماه، وهذا من أدب التلميذ مع أستاذه، أكبر مما يقال عنه،”إنه العلامة الكبير،والمؤلف الغزير، والمدرس المربي الشهير، ترك بصمات لا تحصى ولا تنسى في مجال فقه العبادات، وفقه المعاملات، وفي باب العقيدة”

سلوكه التربوي القويم مع طلبة العلم :

    كان رحمه الله يتعامل مع طلبة العلم باللين الذي يؤدي إلى تحصيل العلم، وكان ميالا إلى الضعفاء (أبناء الفقراء) وكان يردد ما قاله الشافعي “لولا أبناء الفقراء لذهب العلم” ولعه كان يطبق قول الرسول عليه السلام من حديث أبي الدرداء” ابغوني في الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم” رواه أبو داوود. نعم كان يطبق مبدأ اللين في محله، والصلبة التي تؤدي إلى نتائج إيجابية في محلها. كما كان يشرح ويتجاوب مع الجميع، ويتطلع إلى أن يكون الجميع في مستوى رفيع. ويردد كثيرا قوله تعالى الوارد في سورة مريم الآية 12: “يايحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا”.

    هذا هو منهجه وطريقته وأسلوبه، يؤمن بأن العلم إذ أعطيته البعض لم يعطك شيئا، وإذا اعطيته الكل أعطاك البعض. 

    وقد شاءت الأقدار أن يجد الفقيه عمر الخياطي نفسه جالسا أمام الفقيد سيدي محمد رياض في مدرج الإمام مالك بجامعة القاضي عياض كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش. 

    درس سنة 94 المدخل لدراسة الشريعة الاسلامية، وكان رياض يعتبره مدخلا أساسيا للراغب في تعلم العلوم الإسلامية. وأجاد فيه ودرسه بعناية فائقة مع تقديم النصح اللازم، والإرشاد الكامل، والتوجيه العاجل للسير والسفر في قطار المعرفة والتحصيل.

    وكان هذا منهجه العام في كل المحاضرات، حيث يعتبر المدخل بالنسبة له أساس بناء العلوم، فمن دخله كان آمنا، ومن لم يدخله بقي خارجا خاصة وأن هذا المدخل يتناول بالتفصيل مصادر الشريعة الاسلامية: القرآن الكريم، السنة، الإجماع، القياس، المصلحة المرسلة، سد الذرائع، الاستحسان، الاستصحاب…

    وعلى طريقته الخاصة كان يحبب العلم لطلبته ويقول: أبشروا فإنه سيكون غدا منكم القضاة والمحامون والعلماء والوعاظ والخطباء. وقد أكرمني الله، يضيف الفقيه عمر، ووفقني بإلقاء أول خطبة وأنا أتربع بين يديه في السنة الثانية من السلك الثاني، وكان مسرورا بذلك رحمه الله.

    على مضض ودع الفقيد طلبته لمدة سنة والتقوا به من جديد في السنة الأولى من السلك الثاني حسب النظام الذي كان معمولا به آنذاك.

    ويرجع سبب عدم تدريسه للسنة الثانية من السلك الأول، أنه كان يدرس أحكام الأسرة في ضوء مدونة الأحوال الشخصية المغربية لطلبة السنة الأولى من صف الكفاءة في الحقوق، التي ساهمت في إنقاذ أجيال من أبناء الشعب المغربي، في حين كان مقرر السنة الثانية هو مدونة الأحول الشخصية.

    وفي سنة 96/97 درس الفقيد طلبته كتابه الشهير “أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي” الذي أبان فيه عن مقدرة فكرية، وشجاعة علمية هائلة، وطريقة توثيقية فريدة.

    هذا الكتاب كان الطلبة يشتكون من كثرة أبوابه وفصوله ومباحثه ومطالبه لأنه كان يقع في حوالي 629 صفحة، ويحتاج إلى وقت طويل لاستيعابه، وكان يجيبهم جوابا كافيا شافيا انطلاقا مما ورد في سورة الطلاق” ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا”

    إنها دعوة من شيخ مرب إلى طلبته، بالتوكل على الله، والاعتماد عليه، وتفويض الأمرله قبل القراءة، ثم يواصل مخففا على طلبته، إن من يستطيع حمله في محفظته، يستطيع قراءته وفهمه، والظفر بما فيه.

    في هذه السنة شرع سيدي محمد رياض رحمه الله في إلقاء دروس الوعظ الرمضانية، بمسجد الحي المحمدي الشمالي بالداوديات وغيرها، وكنا يقول الفقيه عمر نتبعه لغزارة علمه وطريقة نشره الى المساجد التي يلقي فيها دروسه، لعلنا نظفر بنصيب من علمه. وفي إحدى الأيام دخل ثلة من الشباب المندفعين فوجهوا الخطاب للعلامة: آانت هنا، ثم بادروا بالخروج، فخاطبهم تمهلوا على رسلكم، اسمعوا وعوا أنتم لا تصلحون للنقد البناء، لأن النقد يحتاج إلى علم، بل إلى علوم، يحتاج إلى حجة دامغة داحضة، وأنتم لا تتوفرون على هذه الآليات والأدوات لذا، فأنتم لا تصلحون إلا للحمل أي تحمل عليكم البضائع.

    هكذا زجر الأستاذ من سولت له نفسه أن يتطاول على أهل القرآن الكريم والسنة النبوية، في بيت من بيوت الله تعالى، في شهر رمضان. إنها قوة وصلابة عالم رباني في محلها المخصص لها، إنه نهج مبدأ لاهوادة مع من يتطاول على علماء الشريعة الإسلامية.

    في سنة 97/98 درس عمر وزملاؤه كتاب الراحل سيدي محمد رياض في مجال الإرث “أحكام المواريث بين النظر الفقهي والتطبيق العملي وفق مدونة الأحوال الشخصية” وفي مطلع هذه السنة الدراسة وقعت لعمر طريفة مع الفقيد، حيث شرع في تدريس مادة المواريث، حيث بدأ الفقيدبتهييئ طلبة العلم وقرأ عليهم الآيتين 11/12 من سورة النساء ” يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين” فتجاوب معه عمر حفظا، فقال له رياض: إنا نراك من المحسنين. وفي الحصة الثانية تغيب الفقيه عمر لأسباب مبررة فقال من يقرأ آيات المواريث فلم يجبه أحد، فقال: أين عمر؟ قالوا غائب، فقال باسما: في الليلة الظلماء يفتقد البدر.

    كن سلوكه نبيلا مع عمر وغيره، لقد كان استظهار الآية أمام الشيخ سببا مباشرا في إشرافه على بحث التخرج.

    وفي آخر حصة من الحصص دعا عمر إلى منصة المدرج وقال موجها الخطاب له: أنت واحد ممن سأشرف على بحثهم في هذه السنة 97/98،ثم كلفه باختيارمجموعة من المواضيع، كان هذا ذأبه مع كل من يشرف على بحثه. لقد نهج مع طلبته أسلوب التدرج في جميع المراحل.

    قدم عمر مجموعة من العناوين منها : الجانب القضائي عند عمر بن الخطاب، الجانب السياسي عند الفاروق، منهج عمر بن عبد العزيز في تدوين السنة المطهرة، فكلفه باقتراح مجموعة ثانية.

    إنها طريقة شيخ يأخذ طلبته إلى بر الأمان بالتي هي أحسن. ولم يخرج عمر من مأزقه إلا بسماع أحد الطلبة الذي أخبره أن الشيخ رياض كان يقول خلال السنة الماضية: من كانت له الشجاعة العلمية في البحث في مجال الراجح والمتفق عليه في المذهب المالكي فسأشرف على بحثه.

    فاقترح عمر على الفقيد “المتفق عليه في المذهب المالكي”، فرحب بالفكرة وحدد له عنوان : الخطوة الأولى في جمع وجود المتفق عليه في المذهب المالكي، ثم قال له: إنه ليس بالأمر السهل كما ترى، فأجاب عمر بتوجيهاتك نتغلب على الموضوع إن شاء الله. 

    كلف رياض الطالب عمر ببعض المراجع التي سيعتمد عليها وكانت كالتالي: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، القوانين الفقهية لابن جزي، البيان والتحصيل لابن رشد الجد، مواهب الجليل شرح مختصر الشيخ خليل تأليف إمام المالكية في عصره أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب، وبعض الكتب التي تتناول بالشرح والتحليل رسالة أبي زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير، هذه الكتب وغيرها كانت متوفرة في الخزانة العامة بمراكش الحمراء.

    ثم أرشده إلى كيفية البحث وتوثيق المعلومات، وطريقة الجمع بين البحث والحفاظ على رأس المال، ويعني به التجاوب مع المقررات، التي تدرس في السنة الثانية من السلك الثاني.

    وبهذا بحث الطالب عمر عن المرغوب، ووصل المطلوب مع أستاذه المحبوب.

زيارة خاصة : 

    طلب عمر ومجموعة من أصدقاء الدراسة زيارة مكتبة رياض العامرة، فوافق على ذلك بشرط مسبق، وهو عدم الجلوس. وافق الطلبة دون أن يعرفوا السبب، فكان البيان أنه لا مكان للجلوس، فلن يجد الطلب مكانا شاغرا داخل المكتبة يجلسون فيه.

    وبالفعل فزائر مكتبة الفقيد التي هي الآن وقف بمسجد النجد بالجديدة زاخرة بأمهات المصادر والمراجع ونفائس المفقودات.

    لقد تفاجأ الطلبة بجداول درج السلم مملوء بالكتب التي تنتظر دورها، فإذا كان سلم المكتبة مملوء فمن باب أولى وأحرى جانبها ووسطها. مما يعني أن العلامة كرس حياته لخدمة العلوم الشرعية قراءة وتدريساوتأليفا.

الشيخ محمد رياض ومنهجه في طرح الأسئلة :

    ليس من عادة الفقيد طرح الأسئلة التعجيزية، كما يتوهم البعض، بل كانت أسئلته موضوعية وواقعية، فيها جدية وعلمية، وتحتاج إلى فطنة وروية واستيعاب، ويقظة كبيرة لفك لغزها.

    وكان يقول رحمه الله: ما ورث من لم يورثه الله جل جلاله لم يرث عندي شيئا. ويقصد بذلك أن من فرض لمن لم يفرض الله له، لم يظفر بالنقطة المخصصة لذلك السؤال، مثلا من فرض وورث من حجب حجب إسقاط أو كان إرثه بالتعصيب فتطبق عليه هذه المقولة المشهورة للعالم الرباني سيدي محمد رياض رحمه الله.  

    صحيح أن أسئلة رياض كانت تقشعر منها الجلود، كيف لا، وهي تتعلق بالإرث بصفة عامة، وتشتمل قضايا إرثية خاصة فيها جد؛ كالأكدرية، ومسألة الخرقاء،ومسألة المالكية، ومسألة شبه المالكية.     

ثالثا : أهم آثاره العلمية :

 

  • أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي: 

 

    لو كان للعلامة محمد رياض هذا الكتاب وحده لكان كافيا في أن تستقبله الأمة الإسلامية بالترحيب والدراسة والاهتمام، والكتاب جاء بعد دليل الثقافة الإسلامية 1991، والمدخل إلى دراسة الشريعة الإسلامية 91/ 93، وغيرها من الكتب. وقد أولى العلامة محمد رياض الفتوى أهمية كبرى، ومنزلة عظمى كما جاءت في الشريعة الإسلامية؛ إذ المفتي مبلغ عن الله عز وجل، وموقع عنه؛ لذلك أولاها العلماء عناية خاصة حيث أفردوها قديما وحديثا بالتأليف، ويعتبر هذا المؤلف المعاصر من بين أهم المؤلفات في الباب . 

    والكتاب دراسة شاملة لتاريخ الفتوى في عهود الإسلام الأولى، مبينة لأهمية الفتوى وأركانها، وضوابطها في المذهب المالكي، وموضحة دور هذا المذهب في الفتوى، وكيفية انتشاره، وتطوره، ومصادره، وأدلته العامة والخاصة، ومناهج علمائه في الفتوى.

    وقد جعل المؤلف الفتوى والقضاء شيئين متلازمين، بالرغم من أن بينهما بعض الفروق.

    قال في مقدمته: “فالفتوى والقضاء أمران متلازمان، وهما في دائرة الأحكام صنوان، وإذا كانت هناك فروق بين القضاء فإنها لا تغض عن مقام الالتقاء بينهما، فهما يسيران جنبا إلى جنب؛ إذ هما مبنيان على المشاورة والمذاكرة، وتقليب أوجه النظر والتأني، وكلها سمات تلتقي فيها الفتوى والقضاء، ولذلك فإن كان بحثنا لأحكام  الفتوى  قد سار على نسق  واحد، فإنه لا مانع من الأخذ بتلك الأحكام والأصول في دائرة القضاء، وخاصة في آداب الفتوى والأدلة المفتى بها سواء كان القاضي مجتهدا داخل المذهب، أو مراعيا ما هو مقيد به من  الحكم  بالراجح، أو  المشهور، أو ما جر به العمل. وسيجد الناظر في هذا الكتاب بيان كل ذلك وتأصيله. كما يلتقي المفتي والقاضي في الرجوع إلى الكتب المفتى بها من أجل الاسترشاد ومعرفة الحكم واجب التطبيق في النازلة “.

    والكتاب أصله أطروحة علمية  نال بها المؤلف دكتوراه الدولة  في العلوم الإسلامية من دار الحديث الحسنية بالرباط سنة 1994م.

    طبع الكتاب بمطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى: سنة 1996م، والطبعة الرابعة 1431هـ – 2010م، عدد صفحاته: 629 صفحة. 

    وقد اختار الموضوع نظرا لأهمية الفتوى وفوائدها المتعددة، كما أراد الإسهام في هذا الباب بالتنبيه إلى ضوابطها، وأحكامها، حتى لا يقع في حماها من ليس أهلا لها.

    ولم يرد تناول الموضوع في حقبة معينة من الزمن لأن من يدرس ذلك، لا بد أن يتطرق إلى أحكام الفتوى، وضوابطها بصورة أخرى.

    ففضل البحث في موضوع الفتوى في حد ذاته اعتمد فيه المنهج التالي: كما بحثها الأصوليون، والفقهاء عامة مبينا مكانة الفتوى في الدين، ودورها في حياة المسلمين.

    ومن أجل هذه الغاية المحمودة تقدم باقتراحات واستنتاجات لم تمنعه منها هيبة المذهب المالكي في هذا المجال. 

    وقد قيد دراسته في دائرة المذهب المالكي لأسباب منها :

 

  • أن المذهب المالكي ـ شأن بقية المذاهب الأربعة ـ قائم على أصول الشريعة الغراء، ومنبثق منها.
  • أن لعلماء هذا المذهب من التأصيل والضوابط لموضوع الفتوى، وعلى رأس هؤلاء العلماء إمام المذهب، الجهبذ المبجل مالك بن أنس، وهذا ما شجعه للمضي في البحث فيه.
  • أن هذا المذهب هو المعمول به في المغرب منذ قرون طويلة، وقد نما وترعرع واستمر إلى الآن.
  •  دراسة الفتوى بناء على أصول وفروع هذا المذهب مما يبعث على فتح باب الاجتهاد المذهبي فيه، ويساعد على الحلول الناجعة للمشاكل الطارئة، بقلب مفتوح، وعقل مرجح، وذهن متفهم، وكل ذلك يتطلب العلم الواسع، والاطلاع الشامل، ومراجعة المظان باستمرار.

 

    والعلامة لم يمنعه انتماؤه للمذهب واختياره، الاستفادة من المذاهب الأخرى، وخاصة ما يتعلق بالأحكام العامة.

    وقد فصل في المذهب المالكي وبين مراحل تطوره على الشكل التالي :

أ ـ مرحلة التأصيل :

    وهي المرحلة التي تكلف بها الإمام مالك ناظرا الأصول التي يمكن أن يعتمد عليها في اجتهاده، ومرتبا عليها الفروع التي تناسب منحاها.

    وأصول المذهب استقرائية، تبعا لملاحظة تلامذة الإمام مالك طريقة اجتهاده، وما سار عليه في نظر جزئيات، وفروع متعددة من فقهه، ولا سيما ما ورد في الموطأ من فتاوى وأحكام، وما كان ينقل عنه من أجوبة، فاستخلصوا من كل ذلك ما ينبني المذهب عليه.

    وحينئذ فإن الإمام مالك رضي الله عنه لم يحدد هذه الأصول بنفسه بالصورة التي يذكرها الأصوليون.

ب ـ مرحلة التفريع :

    ويقصد به بناء الفرع على أصله، واستنباط حكمه منه. وذلك داخل المذهب.

    وهذه المرحلة هي التي ظهر فيها أتباع الإمام مالك وتلامذته، آخذين بمنهجه، ومؤسسين الإفتاء في والحوادث والوقائع بربطها بأصوله وقواعده.

    وكانت المدونة الكبرى ـ برواية ”سحنون” عن ”عبد الرحمن بن القاسم”، التلميذ الأكبر للإمام مالك ـ الميدان الخصب، والنواة الأولى لمرحلة التفريع.

    فانطلقت الأحكام الفرعية من رحاب الفتوى، ودائرة السؤال والجواب التي تمثلها خير تمثيل تلك المدونة. وجاءت بعدها ”الواضحة” لعبد الله بن حبيب في الأندلس، ولا غرو إن الإمام مالك رضي الله عنه، هو الذي لفت الأنظار، وأشار ببديع أسلوبه، وحميد منهاجه، في كتابه الموطأ إلى دور الفتوى، وما تقوم به من تأسيس الأحكام، وتلقيح الأفهام.

ج ـ مرحلة التطبيق :

    وهي مرحلة النظر فيما أنتجه دور التفريع الفقهي الذي سبق، والاجتهاد في تحقيق المناط في الوقائع المستجدة، فيما ينطبق، وفيما لا ينطبق عليها من تلك الصور الفرعية، مع تمييز كل حكم منها على حدة، ومع مراعاة أصول المذهب في ذلك. وفي هذه المرحلة يقول الفاضل بن عاشور رحمه الله: ”وظهرت في هذا الدور كتب التهاذيب التي هذبت بها الكتب القديمة، والمختصرات التي لخصت فيها، والشروح التي شرحت بها، ودقق النظر في المسائل لأجل بيان ما بينها من الاتفاق والاختلاف، ثم صور النوازل والفتاوى التي تشمل على الواقعات الحادثة، وعلى بيان ما يرى الفقهاء المتأخرون من رجال دور التطبيق من انطباق أو عدم انطباق لقول من الأقوال المأثورة من المصادر القديمة من دور التفريع على تلك الجزئية الخاصة.

    وكان العمل قد توزع على مراكز أيضا هي القيروان، والأندلس، والعراق ومصر.

    فكان في القيروان، مثلا ”محمد بن سحنون الذي وضع كتاب ” النوازل” أو المسائل وجعل كل حادثة من الحوادث التي تجري في عصره، مع تصورها بالملابسات العارضة محلا للنظر في كيفية انطباق حكم المقرر في ”المدونة” على تلك الصورة، بحيث إن حكمها يؤخذ من المصدر الذي هو من أثر دور التفريع. وسار على نفس النهج الإمام ”محمد بن أبي زيد القيرواني” في كتابه ”النوادر والزيادات” مستفيدا مما سلقه، وما دون من كتب في المذهب، كـ”المدونة” لسحنون، و”الواضحة” لابن حبيب،و”المستخرجة” للعتبي، و”الموازية” لابن المواز. وهذا ما أكده ابن خلدون بقوله: ”وجمع ابن أبي زيد جميع ما في الأمهات من المسائل والخلاف، والأقوال في كتاب ”النوادر” فاشتمل على جميع أقوال المذهب، وفروع الأمهات كلها في هذا الكتاب، ونقل ابن يونس معظمه في كتابه على المدونة. كما اختصر ابن أبي زيد المدونة في كتابه ”المختصر” ولخصه أيضا ”أبو سعيد البرادعي” من فقهاء القيروان في كتابه المسمى بـ”التهذيب”. وألف ”ابن يونس” كتابه ”الجامع” على غرار كتاب النوادر والزيادات. ثم جاء بعدهم أبو الحسن اللخمي باختياراته المشهورة في المذهب مودعا إياها في شرحه على المدونة المسمى بـ”التبصرة”.  وفي الأندلس ألف ”أبو عبد الله محمد العتبي” ”المستخرجة” وهي ”العتبي”، وألف ”يوسف بن عبد البر” كتابه ”الكافي في فقه أهل المدينة”. وفي العراق أخرج القاضي ”اسماعيل بن حماد كتابه ”المبسوط” وألف القاضي ”عبد الوهاب” كتاب ”التلقين”.

د ـ مرحلة التنقيح :

    وهي مرحلة تنقيح الأقوال المذهب، واعتبار الدليل الأقوى منها رواية ودراية.

    وكان الذي حمل لواء هذه المرحلة أبو الحسن اللخمي” الذي انفرد باختيارات في المذهب حتى عد متميزا بها. وسار على هذا المنهج الإمام المازري في ”شرحه على التلقين”. و”ابن رشد الجد” في كتابه ”المقدمات الممهدات” وكتابه ”البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل” وهو شرح ”العتبية”. والقاضي عياض في شرح المدونة، وتعليقاته عليها المسماة ”بالتنبيهات”.

هـ ـ مرحلة الجمع والاختصار :

    وهذه المرحلة جاءت بعد استقرار المناهج، والنظر في الفروع الفقهية تخريجا، وتطبيقا وتنقيحا، وما قام به جهابذة المذهب من اجتهادات. وهكذا ظهر مختصر ”ابن شاس” المسمى بـ ”الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة”. ومختصر ”ابن الحاجب” المسمى بـ”جامع الأمهات”، وجاء بعده ”مختصر الشيخ خليل” الذي طوى جميع المراحل، ثم توالت الاختصارات من بعده ناسجة على منواله، كـ”أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك” لـ”أحمد بن محمد الدردير”، و”المجموع” لـ”محمد بن محمد الأمير’.

    ونظرا لوضوح الموضوع، وأصالة موضوع الفتوى، فقد سلك فيه منهج التحليل والاستنتاج، واستشهد لكل فكرة ما يؤيدها من النقول المعتمدة، ناسبا كل قول لقائله، وجالبا له بنصه وفصه، أمانة في النقل، واعترافا بفضل وجميل علمائه عليه والتبرك بذكر اسمائهم.

وقد جعل لهذا المؤلف خطة حيث قسمه إلى ثلاثة أبواب :

الباب الأول : الأحكام العامة للفتوى، وقسمه إلى فصلين :

    تناول في الفصل الأول: كيف انطلقت الفتوى في عهود الإسلام الأولى في ظل نزول الوحي، وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي زمان الصحابة رضوان الله عليهم، معرجا عن عصر التابعين وذلك من أجل ربط الصلة، بينهم وبين إمام المذهب مالك بن أنس رحمه الله وباعتبار أن هذا البحث في دائرة مذهبه.

    وأما الفصل الثاني: فبحث في دور المذهب المالكي في الفتوى. مشيرا إلى معنى كلمة مذهب بصفة عامة، ونشأة المذاهب الإسلامية، وأساس الخلاف بينها، وأهمية هذه المذاهب، لأنها تكون نقطة الانطلاق في فهم الشريعة، والاجتهاد فيها، ومكانة المذهب المالكي من بين هذه المذاهب.

    ووقف وقفة خاصة عند منهجية الإمام مالك في الفتوى، لما اتصفت به هذه المنهجية من ضوابط الفتوى، كما تناول دور العلماء المغاربة في الفتوى كصلة وصل بين تراث السلف، وموصول الخلف، واقتصر على علماء المغرب دون غيرهم من الأقطار الأخرى نظرا لما يفرضه المقام، ولأن تتبع ذلك لا يمكن حصره.

الباب الثاني : تناول فيه أركان الفتوى (المفتي، والمستفتي، والأدلة المفتى بها).

وقسمه إلى ثلاثة فصول :  

تحدث في الفصل الأول : تعريف الفتوى .

وفي الفصل الثاني : تناول في المستفتي وما يتطلب فيه.

وأما الفصل الثالث : فقد رصده للكلام عن المستفتي.

وأما الباب الثالث : فقد درس فيه الأدلة المستفتى بها وقسمه إلى فصلين:

تناول في الفصل الأول : الأدلة العامة للمذهب ويقصد بها أدلة المذهب إذ لاشك أنه يتفق مع غيره من المذاهب في بعضها، ويختلف في البعض الآخر.

وأما الفصل الثاني فقد خصصه للأدلة الخاصة داخل المذهب.

ثم خاتمة تضمنت نتائج وتوصيات.

وهكذا يكون منهاج دراسته لهذا الموضوع بصفة عامة بعد المقدمة: الباب الأول: أحكام عامة، الباب الثاني: أركان الفتوى، الباب الثالث: الأدلة المفتى بها، ثم خاتمة.

    وقال في حقه الشيخ محمد المنوني ” وأول ما يلاحظ في مسار الأطروحة، أن المؤلف يسير في تركيز قضاياها على طريقة المؤلفين المحققين، فيوثق كل مسألة يطرحها بالنص الشاهد، كما يقدم مقترحاته الإصلاحية للفتوى والمفتين، في شجاعة فكرية، وجهر بالحقيقة الناصعة …ومن هذه القراءة السريعة للكتاب يتبين أن الموضوع فرد في بابه، وأنه برز في الوقت المناسب، إضافة لما يشف عنه من مقدرة علمية، وشجاعة فكرية للمؤلف…”.

    لقد دعا العلامة محمد رياض إلى فتح باب الاجتهاد المذهبي من أجل القيام بأمر الفتوى على أحسن وجه، وخاصة في القضايا المستجدة، والنوازل الطارئة.وأكد أن الاجتهاد لا يمكن أن يتوفر إلا بعد الحصول على مؤهلاته، والتسلح بعدته… كما يمكن الاجتهاد على ضوء كل ذلك، اجتهادا جماعيا، من أجل مسايرة فقهنا الإسلامي على مذهب مالك لشؤون الحياة وأحداثها. وطالب بتكوين لجنة منتخبة من جهات الفتوى بالمغرب للقيام بتوحيد الفتوى في مسائل العبادات والمعاملات، وبنظر ثاقب سبق الرجل زمانه، حيث أصبح في أيامنا من يتصدى للفتوى وهو ليس أهلا لها ولم يوت سعة من العلم، بقدر ما أوتي جرأة على الكلام وتطاولا على العلم والعلماء، 

    ولإنعاش الفتوى وإمدادها وانطلاقها، يرى رحمه الله أنه لا بد من العمل بربطها واتصالها وتلاحمها بالأحكام الشرعية على مذهب مالك بن انس، بناء على الموازن والضوابط التي سنها العلماء والأئمة.

ـ قصيدة في الإشادة بكتاب” أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي للقاضي محمد الطاهر زيدون: 

متع الطرف في رياض رياض                وتفيأ ظلال تلك الغياض (1* )

واستمع للهزار يسجع يتلو                 سورا في محرابه الفرياض ( 2*)

وتنسم عبق الأريج تهادى                 عبر أزهار مائساتخياض ( 3*)

واستنر بالشموع مدت ظلالا              لحروف، سوادا فوق بياض

نسجت حلة النهار من الليل             على عكس الاستنتاج الرياضي

وتجاذب بواكير الفقه يساقط             جناها زوجين اثنين قياض ( 4*)

وارتشف كؤوس القضاء والإفتاء           دهـــــــاقا من مــــــنبع فـــــياض

وانتجع راجحا ومشهورا والجا           ري عملا منذ مالك لعياض

واقتنص نافر الشوارد وافتك                بلا موعد ودون ارتياض

زفها رائد يختاض تعاشيب                 التراث اللفاء أي احتياض

يتقصى فقه القضا والمحاماة                قصارى التقصي في استرياض ( 5*)

كيما يثري بالسهل الممتنع العذب         فضافن لا مطروق الحياض

فاحمدن للسارين سراه يعاطيك           جنى الجنتين غضا (رياض)

آية في الإبداع تاجا على رأس            عروس تميس بين الرياض

    الفقيه عمر الخياطي خريج بجامعة القاضي عياض كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش وأحد تلامذة الفقيد محمد رياض تتلمذ عليه في الفترة بين سنة 1994 ــ 1998، ويعمل الآن إمام وخطيب بمسجد الفتح بدوار المحمديين منطقة أولاد أفرج.

شهادة عمر الخياطي .

د : محمد رياض “أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي” ص 101 وما بعدها.

نفس المرجع الصفحات من 6 إلى 14.

نفسه.

 نفسه الصفحات 602 ـــ 603.

About هيئة التحرير

One comment

  1. عبد الجليل العقاني

    نسأل الله أن يتغمذه الله برحمته لقد كان استاذي وهو الذي اشرف على بحثي لنيل الإجازة في القانون الخاص (واقعية الفقه الإسلامي من خلال الأصول والفروع).لقد كان نعم الموجه ونعم المؤطر الله يجدد عليه الرحمات

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

طانطان.. توقيف ثلاثة أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بشبكة إجرامية تنشط في تنظيم الهجرة غير المشروعة والاتجار بالبشر

طانطان.. توقيف ثلاثة أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بشبكة إجرامية تنشط في تنظيم الهجرة غير المشروعة ...