حملات المقاطعة بالأسواق العربية تتواصل.. والمنتجات البديلة تنتعش

.
محمد عبد الله، سناء القويطي، حبيب أبو محفوظ، محمود محمد، محمود يوسف.

في أحد المتاجر الكبيرة بالعاصمة المصرية القاهرة، وقف طفل، لم يتجاوز عمره (6 سنوات) إلى جوار والده أمام أحد رفوف منتجات شرائح البطاطس المقلية، وقال “لا يا أبي هذا مقاطعة!..سوف أختار نوعا آخر”.
لم يكن هذا الطفل استثناء من حالة عمّت أرجاء دول عربية وإسلامية، فالطالبة الجامعية كوثر أداونصار (19 عامًا)، قررت مقاطعة مطاعم الوجبات السريعة، على حبها، بعدما استقر لديها دعم علامات تجارية بعينها لجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حربهم على قطاع غزة، وصارت تفضل البدائل المحلية.
مصر.. دعم المنتجات البديلة
في مصر، رصدت “الجزيرة نت” إطلاق ناشطين مواقع للاستعلام عن منتجات المقاطعة، وإيضاح أسبابها لنشر الوعي لدى المستهلك، ومواجهة الحملات المضادة، في حين لا يتوقف نشطاء تقريبا عن نشر المنتجات البديلة لتلك الواقعة تحت حملات المقاطعة.
لم تصدر بيانات من الجهات المنظمة للأسواق في البلدان العربية عن حجم المقاطعة، لكن وكالة رويترز نقلت عن مصدر في إدارة شركة ماكدونالدز في مصر لم تسمّه، أن مبيعات الامتياز المصري انخفضت 70% على الأقل في شهري أكتوبر/تشرين الأول، ونوفمبر/تشرين الثاني الماضيين، على أساس سنوي.
كما يقول سامح السادات، وهو سياسي مصري وشريك مؤسس في شركة “تي بي إس هولدينغ”، أحد موردي ستاربكس وماكدونالدز، إنه لاحظ انخفاضا أو تباطؤا بنحو 50% في طلبات العميلتين، في مصر أكبر بلد عربي من حيث عدد السكان (105.8 ملايين نسمة).
الجنسية تكفي أحيانا
طالت المقاطعة جميع منتجات الشركات الداعمة سواء المشروبات الغازية أو المواد الغذائية أو مطاعم الوجبات السريعة والمقاهي والملابس أو حتى السلاسل التجارية الشهيرة في مراكز التسوق الكبيرة، وفي كثير من الأحيان كان يكفي جنسية الشركة فقط لمقاطعتها، حتى لو لم تبد تضامنا مع جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ورغم أن بعض وكلاء سلاسل مطاعم الوجبات السريعة العالمية، الواقعة تحت مظلة الشركات الداعمة للاحتلال، اضطروا إلى وضع إعلانات على أبواب المطاعم تؤكد دعمهم للفلسطينيين في قطاع غزة، لم يستطيعوا محو تأثير سيل الدعوات على وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار تفعيل المقاطعة.
أما شركات المنتجات المختلفة، فصارت تقدم خصومات كبيرة للحفاظ على وجود بضائعها في المحال، لكن المنتجات الرائجة هي المحلية، رغم تراجع جودتها في كثير من الأحيان، وفق قول بائع في أحد محال البقالة للجزيرة نت.
وبالمجمل هذه أبرز مظاهر تأثير دعوات المقاطعة:
تراجع كبير في الإقبال على منتجات وفروع الشركات الأجنبية.
تسريح بعض العمالة والموظفين من فروع هذه الشركات.
البحث عن بدائل ورواج المنتجات المحلية الأرخص نسبيًا.
وبشأن تأثر فروع الشركات الأجنبية العاملة في مصر من المقاطعة، قال خبير أسواق المال، وائل النحاس، إن ثمة تأثيرا واضحا في ضعف الإقبال وتراجع المبيعات، لكن لا يمكن تحديد حجم الخسائر قبل إعلان الشركة عن نتائج أعمالها الفصلية أو السنوية.
وأضاف النحاس أنه يجب التفريق بين نتائج أعمال الشركات وأسعار الأسهم، فما يتم تداوله هو هبوط أسعار أسهم بعض تلك الشركات في البورصات العالمية، وليس أرباحها وخسائرها نتيجة التوقع بتراجع أرباحها.
لكن النحاس وصف سلاح المقاطعة بأنه “ذو حدين” فهو يوصل رسالة قوية للشركات الأجنبية الداعمة لإسرائيل، ويلحق خسائر بالوكلاء المحليين وبالعمالة المحلية، ويقول قد تستفيد الشركات المحلية جزئيا من مدة المقاطعة، لكنها قد تتكبد خسائر إذا قررت التوسع ثم عاد المستهلك إلى منتجاته المفضلة بما فيها تلك التي قاطعها.
وفي شأن تسريح العمالة، يقول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، إن العمالة التي سيتم تسريحها في العلامات التجارية الواقعة تحت نطاق المقاطعة، ستجد فرص عمل بديلة لدى الشركات المحلية التي يزيد الإقبال على منتجاتها بفعل المقاطعة.
المغرب.. حملة مقاطعة ناجحة
في المغرب، رصدت “الجزيرة نت” خلال جولة في نهاية الأسبوع تراجع الإقبال على العلامات التجارية المستهدفة بالمقاطعة مقارنة مع الوضع قبل نحو شهرين من انطلاق العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مما دفع فروع العلامات التجارية العالمية إلى نفي دعم إسرائيل، وإطلاق عروض مغرية لجذب الزبائن.
ونشرت سلسلة مطاعم شهيرة، واقعة ضمن نطاق المقاطعة، عبر صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مقطعا قالت فيه على لسان عمالها “سمعناكم وفهمناكم وأردنا أن نوضح لكم، نحن مثلكم نتألم لما يحدث للمدنيين في غزة، علامتنا التجارية عالمية، لكننا شركة 100% مغربية نكتري الاسم ومبلغ كراء اسم العلامة التجارية لا يذهب إلى أي حكومة أو جهة سياسية يقينا”.
ويقول منسق حركة المقاطعة العالمية لإسرائيل “بي دي إس” بالمغرب، سيون أسيدون إن المواطنين المغاربة انخرطوا في حملة المقاطعة الشعبية لبضائع الشركات الداعمة لجيش الاحتلال في إطار التأكيد على أنهم ليسوا طرفا في التطبيع مع إسرائيل.
ويستدل أسيدون على نجاعة حملة المقاطعة بخروج عدد من ممثلي العلامات التجارية قيد المقاطعة للدفاع عن أنفسهم وتبرئتها، وإجراء تخفيضات للزبائن، ويتوقع أن تظهر النتائج في الشهور المقبلة.
وأيده في ذلك خبراء اقتصاديون قالوا -للجزيرة نت- إنه من الصعب رصد الأثر الاقتصادي للمقاطعة على هذه الشركات في ظل غياب أرقام رسمية من قبلها أو من قبل هيئات اقتصادية مغربية.
وتقول عضو حركة “بي دي إس” السعدية الولوس -للجزيرة نت- إن الحركة وزعت منشورات لوقف التعامل مع العلامات الداعمة للاحتلال، ونظمت وقفات احتجاجية أمام متاجرها.
من جهته، يقول الكاتب العام للمرصد الوطني المغربي لمناهضة التطبيع، عزيز هناوي -للجزيرة نت- إن تحوّل حملة المقاطعة إلى أسلوب حياة، يتوقف على مدى الوعي الفردي.
ويضيف أن المغاربة ينخرطون بصورة أكبر في المقاطعة مع احتدام المعارك و”تصاعد الإجرام الصهيوني”، على حد وصفه، مشيرا إلى أن المقاطعة ستستمر مع من راكم وعيا بالقضية الفلسطينية، حتى مع وضع الحرب أوزارها.
الأردن.. حملات مكثفة
وفي الأردن أطلق ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، حملة أطلقوا عليها اسم “استحي” لمقاطعة البضائع الإسرائيلية والأميركية في الأسواق الأردنية، تضمنت وقفات احتجاجية أمام محلات تبيع مُنتجات داعمة لإسرائيل، وتوزيع ملصقات في الأسواق العامة تدعو الأردنيين لتفعيل سلاح المقاطعة ليصبح ثقافة شعبية سائدة في المملكة.
وأجبرت حملات المقاطعة عددا من العلامات التجارية الأميركية والغربية على خفض إنتاجها، وتقليص ساعات العمل لديها، وسط أجواء بتوجه بعض فروعها للإغلاق التام، حسب مراقبين.
وبحسب تقرير المرصد العمالي الأردني، أطلعت عليه “الجزيرة نت”، تركزت حملات المقاطعة في الأردن على سلاسل مطاعم ومقاه أميركية، وفرنسية، إضافة إلى مقاطعة شركات أخرى داعمة للاحتلال الإسرائيلي تنوعت منتجاتها بين المشروبات الغازية، ومستحضرات للتجميل، والإلكترونيات، والملابس الرياضية، وغيرها من تلك التي انخفضت مبيعاتها إلى ما نسبته 95%.
ولم يختلف أداء المطاعم الواقعة في نطاق المقاطعة عن نظيرتها في المغرب ومصر، فقد سعت إلى إبراز هويتها المحلية، وبأنها تحمل اسما تجاريا عالميا، لكن حملة المقاطعة طالتها.
وأعلن مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية، في استطلاعه الأخير للرأي، أن نسبة التزام الأردنيين بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية الأميركية، وتلك التي تنتجها دول داعمة لعدوان الاحتلال على غزة بلغت 93%، وأن نحو 95% من المقاطعين توجهوا نحو منتجات بديلة محليّة الصنع.
البديل المحلي
وقال رئيس لجنة مقاومة التطبيع النقابية السابق، بادي الرفايعة للجزيرة نت، إن بشاعة جرائم الاحتلال في قطاع غزة دفعت كثيرا من المواطنين، وفق قوله، ومن دون دعوات، إلى مقاطعة كل المنتجات الداعمة لإسرائيل واللجوء إلى البديل الوطني.
وتنتشر ملصقات الدعوة لمقاطعة البضائع الداعمة لإسرائيل بصورة واسعة في الشوارع العامة، مرفقة بصور للجرائم التي يرتكبها الاحتلال في غزة.
من جانبه، أكد عضو غرفة صناعة الأردن، موسى الساكت أن مقاطعة البضائع الأميركية والغربية مستمرة، في حين تشهد المنشآت المحلية والوطنية زيادة في الطلب على منتجاتها.
وأضاف الساكت أن توفر البديل المحلي يمثل أحد أهم أسباب نجاح حملة المقاطعة للمنتجات الأميركية والغربية، كظهور شركات المشروبات الغازية بكثرة في الأردن، لتكون بديلا عن الشركات الأميركية، وهو ما يعطي دفعة لاستمرار حملات المقاطعة حتى بعد توقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مما يسهم في دعم المنتج المحلي.
الكويت.. وعي كبير بأهمية المقاطعة
وفي الكويت، تحرص كثير من الأسر الكويتية والمقيمة على تجنب شراء منتجات الشركات الداعمة للاحتلال، والبحث عن بدائل في السوق المحلي، وهو ما تسبب في تأثّر مبيعات كثير من تلك السلاسل.
ورصدت الجزيرة نت حرص كثير من المستهلكين ومرتادي المطاعم والمقاهي على تجنب شراء المنتجات التي جرت الدعوة لمقاطعتها، والبحث عبر الهواتف للتأكد من وجود بعض المنتجات ضمن المقاطعة من عدمه.
وبحسب مسؤول حركة “بي دي إس” في الكويت، مشاري الإبراهيم، فإن نسبة الوعي بضرورة مقاطعة الشركات الداعمة لدولة الاحتلال تشهد نموا كبيرا، مشيرا إلى سعي الحركة حاليا إلى دفع اتحاد الجمعيات التعاونية -الذي يمثل أكبر سوق محلي كويتي- إلى استبعاد منتجات الشركات الداعمة لإسرائيل من الأسواق التابعة له.
ويضيف للجزيرة نت أن المساعي تشمل حاليا نقاشات تدور مع أعضاء في مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) بشأن مقترح قانون خاص بالشركات الداعمة للاحتلال وألا يقتصر الأمر على ما يقره القانون الحالي الذي ينص على مقاطعة المنتجات الصهيونية.
وتضع حركة “بي دي إس” قائمة سنوية تضم 10 شركات داعمة للاحتلال يجري الدعوة لمقاطعتها ثم تتغير القائمة في السنة التالية.
وبحسب رئيس الاتحاد الكويتي للمقاهي والمطاعم والتجهيزات الغذائية، فهد الأربش، فإن دعوات المقاطعة تجد رواجا شديدا في أوساط الشباب والمراهقين، الذين يمثلون الشريحة الأكبر من جمهور بعض سلاسل المطاعم والمقاهي العالمية، التي تمت الدعوة لمقاطعتها لدعمها للاحتلال.
وقال الأربش إن إحدى سلاسل الوجبات السريعة كانت تستحوذ على ما بين 28% و30% من حصة مبيعات “البرغر” بأنواعه في السوق الكويتي بإجمالي مبيعات يقدر بنحو 13 مليون دينار (42.26 مليون دولار)، بيد أن مسحا أجراه بمشاركة آخرين -أخيرا- أظهر تراجع مبيعات المنتج نفسه في الشركة بما بين 20% إلى 30% وهي حصة ذهبت لمنافسين غير داعمين للاحتلال الإسرائيلي.
وأضاف الأربش أن آثار المقاطعة امتدت كذلك لسلسة متاجر عالمية شهيرة تعمل في قطاع المواد الغذائية والإلكترونيات، إذ تراجعت مبيعاتها بنحو 40% رغم إعلانها أخيرا عن تخفيضات وصلت أحيانا إلى 50% على بعض المنتجات لديها، وتوقع أن تدفع تلك الخسائر باتجاه خروج الشركة من السوق المحلي.
ومثّلت المقاطعة فرصة لنمو كبير في مبيعات بعض المنتجات البديلة، إذ زادت مبيعات منتج خليجي للمياه الغازية من نحو 5 إلى 6 شاحنات شهريا قبل الحرب، لتصل حاليا لنحو 11 إلى 12 شاحنة يتم توزيعها يوميا في السوق الكويتي، وفق الأربش.
ووفق الأبرش، يقلل وجود البديل الناجح من فرص استعادة الشركات الخاضعة للمقاطعة لجمهورها الذي فقدته مرة أخرى.
المصدر : الجزيرة

About الجديدة نيوز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

x

Check Also

سفر زعيم “البوليساريو” إلى إيرلندا.. استجمام ونشاط جمعوي توهمت الجبهة الانفصالية أنه “زيارة رسمية”

منقول أحمد مدياني موقع: تيل كيل عربي احتفاء وهمي، ذلك الذي روج له، من يجلس ...