حمى الوطيس

بقلم أبو أيوب

    حرب مستعرة متعددة الجبهات يتعرض لها المغرب حاليا ، في غالبيتها مستفزة إلى أبعد الحدود ذات تداعيات غير مفرحة ، يبدو معها المستقبل المنظور غير وردي ، بخلاف ما يسوق له الخطاب الرسمي في شخص رئيس الحكومة الموقر . ما يعزز الطرح التخبط و الإرتباك الذي يشوب عملية اتخاذ القرارات ، قرارات مصيرية لكثلة بشرية قاربت الأربعين مليون نسمة ، أكثر من نصفها يتأرجح بين خط الفقر و ما دونه ، قرابة 27 مليون مغربي ما بين فقير و عاطل عن العمل …. و هذا وحده كاف لدق جرس الإنذار …. ! . من الجبهات ما لها علاقة بتفاعلات خارجية و مصالح دولية ، و منها ما لها علاقة وطيدة بما يختمر داخل الوطن و من له علاقة بهذا الوطن ، لكنها في مجملها تساعد المعاول على هد البنيان و تبخير الأحلام ، نكتفي بسرد أمثلة منها .
1 / وطنيا :

    بحسب الإحصائيات الرسمية و استقراء للغة الأرقام ، هناك فقط سبعة عشر مليون مغربي الذين يستفيدون من التغطية الصحية ، من بينهم إحدى عشر مليون منخرط في نظام ” راميد” و ما أدراك ما راميد …. ! لينحصر العدد فقط في ستة ملايين التي تتوفر على تغطية صحية شيئا ما مقبولة نسبيا ، و أن العنصر النسوي النشيط المعترف به رسميا لا يتعدى 100/22,3 من مجموع نساء المغرب ، للإشارة ، شقائق النعمان يقارب عددهن ثلثي الساكنة ، و إن واحدا من عشرة متمدرس يصل إلى الجامعة ، و هذا ما يجعلنا نتذيل الترتيب العالمي . 

    المغرب ينتزع الصدارة من دولة الفلبين ، فهل يا ترى علينا أن نفتخر ؟ بالطبع لا و ألف لا ، حوالي 14 مليون مهاجر مغربي يعيشون في القارات الخمس خارج البلاد ، مقابل حوالي 12 مليون فلبيني و هذه ظاهرة غير صحية ، قد نلتمس العذر للفلبين كونها مجموعة جزر مثناترة في المحيط الهندي و بحر الصين الجنوبي ، و أن البلاد فقيرة و ليست لها موارد كثيرة تلبي احتياجات مواطنيها ، لهذا يضطرون للبحث عن عمل خارج الفلبين .

    لكن في الحالة المغربية ، فالوطن حباه الله بثروات باطنية و سطحية متنوعة و ثروات فلاحية و سمكية ….، تعتبر صمام أمان لاكتفاء غذائي ذاتي لأكثر من خمسين مليون نسمة و أكثر ” و يشيط الخير ” ، خيرات لو استغلت بشكل أفضل لما هاجر أحد ” حتى شي قط ما كيهرب من دار العرس ” . مقابل الصورة هذه ، نصطدم بأرقام مهولة عن عدد المتسكعين و المتخلى عنهم و من هم بدون مأوى و القاطنين في الكريانات و قس على هذا …. ، وطن غني و شعب فقير أو مفقر ، إختر ما شئت ، فهل يستقيم المنطق ؟

    المغرب البلد الوحيد الذي حول فشله في مواجهة كورونا إلى انتصار و قدوة يحتدى بها ، لا سيما في شقها المتعلق بالعالقين خارج أرض الوطن بفعل تداعيات الجائحة ، البعض منهم لا تفصلهم عن الوطن سوى كيلومترات معدودة ” الجزيرة الخضراء/ طنجة 14 كلم مثال ” ، لكن طلب منهم التوجه شمالا حوالي 1500 كلم نحو ميناء سيت الفرنسي إن هم رغبوا في العودة ، و كأني بالأربعة أشهر و نيف من المعاناة و الآناة و اللامبالاة لا تكفي ، بالتالي وجب المزيد …!

    هناك فيديوهات توثق للتذمر و السخط و الغليان … فيديوهات انتشرت كانتشار النار في الهشيم ، كلها أجمعت على الشجب و التنديد ، بلغت ذروتها في الإمارات و السعودية و الجزائر و تركيا و مصر و بعض البلدان الإفريقية …، و البعض منها تسبب في أزمات سياسية مع دول أخرى ، وقفات التشاكي لم تسلم منها قنصلية المغرب بإنجلترا ، لكن المضحك المبكي وصل حد المغاربة الذين علقوا بالمغرب و وقفتهم أمام القنصلية الإيطالية بالدار البيضاء ….! فهل يحق لنا أن نفتخر ؟ و من أراد ، فله ذلك …، فالغصن لن يخفي الشجرة …! .

2 / دوليا :

    المغرب تربطه علاقات متميزة مع الجارة الإيبيرية إسبانيا ، أول رأسمال أجنبي مستثمر بالبلد ، هذا ما يتم التصريح به رسميا ، و قد قيل لنا بأن المحكمة الدستورية الإسبانية قضت ، بعدم السماح برفع الأعلام في المؤسسات و المراكز و الإدارات غير العلم الإسباني الرسمي ، و أن هذا انتصار للمغرب ، و في الوقت نفسه تتغاضى عن رفع علم الخصوم ، كما وقع يوم الجمعة الفارط في قلب مدينة إشبيلية عاصمة إقليم الأندلس ، حيث رفعت الأعلام في وقفة تناقلتها وسائل الإعلام ، و هي نفسها ” و. الاعلام ” التي سمحت لنفسها بالنبش من جديد في تفجيرات قطارات مدريد يوم 11 مارس 2004 ….

    بعض منها وجه أصابع الاتهام للمغرب بالتورط في العملية مستندا على إفادات المدعي العام الإسباني السابق ، الذي لمح إلى أن كل الوثائق و خلاصات التقارير و الأبحاث بيد المخابرات الإسبانية ، من إسبانيا هاته و في إطار حسن الجوار ….، إنطلق صوت برلمانية إسبانية مسائلا المفوض الأوروبي صديق المغرب ، حول قانونية الإتفاقيات المبرمة بين الجانبين و مدى تطابقها مع الشرعية الدولية و محكمة العدل الأوروبية …

    فنعم الصداقة التي تربط البلدين الشقيقين ” من الشقيقة المرض ” …، و الشكر كل الشكر الجزيل لإسبانيا التي وقعت معنا اتفاقية ترسيم الحدود البحرية ….! و الشكر كله لها على تسليمها لنا مدينتي سبتة و مليلية ضمن إطار الصداقة التي تجمع بين المملكتين ….! و الشكر كذلك للإسباني صاحب ضيعة للا ميمونة و بؤرة كورونا ضمن الإطار الذي يجمع بين الشعبين الجارين …!

    من الجنوب الغربي للقارة السمراء ، جمهورية زامبيا تراسل مجلس الأمن الدولي من منطلق المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة و المادة 6 من قانون مجلس الأمن الدولي ، فحوى الخطاب المرسل ، رسالة إبراهيم غالي زعيم البوليساريو إلى مجلس الأمن الدولي ، الموقعة ببلدة بير لحلو شرق الجدار المغربي كما هو مضمن بالرسالة ….، و ما تبعها من تفاعلات و ردود ، الأمر لم يرق للمغرب الذي بادر إلى شن هجوم مضاد على ناميبيا …

    و من نفس الجنوب ، تفيدنا الأخبار أن المجمع الشريف للفوسفاط لا زال يشق طريقه غازيا كلا من نيجيريا و غانا و إثيوبيا ، استثمارات بمليارات الدولارات بحسب التصريحات الرسمية ، عبارة عن مصانع للأسمدة …..، و قد سجل تقدم ملحوظ في إنجاز هذه المشاريع ،ضمن شراكات إقتصادية واعدة و في إطار منطق رابح رابح ، شيء مبهر و جميل ، أليس كذلك .. ؟

    لكن هل من المسموح طرح السؤال ؟ ما هي القيمة المضافة لهذه الإستثمارات من جانبها السياسي ، نظرا للترابط القوي بين ما هو اقتصادي و ما هو سياسي ، بالتالي لا يمكن الفصل بينهما ؟ ، في المقابل يلاحظ أن كل هذه الدول الثلاث لم تتزحزح قيد أنملة عن موقفها من الصحراء ، موقف يعترف بها كدولة مؤسسة للأسرة الإفريقية ، أليس كذلك ؟ بل الأدهى أن نيجيريا شقيقتنا الإفريقية ، يبدو لي أنها تخلت نهائيا عن مشروع أنبوب الغاز الذي شبهناه بمشروع القرن ، و هللنا له تهليلا و طبلنا تطبيلا فإذا به أضغاث أحلام ، كذلك فعلت بنا نفس الشقيقة في التلكؤ بصيغة الرفض لطلب المغرب الإنضمام للمجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا ” سيداو/ الأكواس” التي تتزعمها هي نفسها ….، فهل لنا أن ننبهر ؟ أم أنها الحكمة و التبصر ؟ و إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا لم تطبق في حق فنزويلا أو بنما مثال ؟

    منذ حوالي أسبوع مضى ، حضرت بعثة المينورسو بصحرائنا الحبيبة عملية حرق و إتلاف كميات معتبرة من الحشيش شرق أالجدار المغربي ، مرفوقة بعناصر مسلحة من البوليساريو و ما يدعى بالمدعي العام ، أفراد البعثة الأممية وثقوا العملية و أشرفوا على عملية الإتلاف في انتظار رفع تقرير للأمين العام الأممي، يأتي هذا التطور ضمن رؤية مدروسة بعناية و إثقان ، ما يؤكد الطرح، كلمة ممثل البوليساريو بالأمم المتحدة في ندوة صحفية اتهم من خلالها المغرب ، بتهريب المخدرات إلى بعض بلدان القارة عبر الجدار الدفاعي المغربي ، ثم استطرد تعزيزا لكلامه حيث استشهد بتقرير للأمم المتحدة بخصوص تجارة و إنتاج الحشيش و من هو أول مصدر و منتج …!

    و في الوقت الذي ذهب فيه المغرب غازيا ساوطومي برينسيبي و غامبا و جزر القمر و إفريقيا الوسطى ، و الكوت ديفوار و بروندي ….. فاتحا القلاع ، إتجه الخصم شرقا نحو نيوزيلاندا و أستراليا و اليابان ، للتضييق على المساعي المغربية و إفراغها من محتواها ، حيث أسس جمعيات للتضامن و التعاون و التنسيق ، هي في مجملها لوبيات ضغط ثقافية و حقوقية و مجتمع مدني ….، إلى أن حط الرحال بفدرالية روسيا الإتحادية العضو الدائم بمجلس الأمن الدولي ، من هناك ظفر بموقف متقدم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، دعى من خلاله إلى التفاوض المباشر بين المغرب و البوليساريو لإنهاء النزاع طبقا للقرارات الأممية ذات الصلة ، لينضاف إلى مواقف الدول الأسكندنافية فضلا عن إيطاليا و ألمانيا و هولاندا ، هذه الأخيرة التي لا زالت تتشبت برؤيتها في حراك الريف و قضية المعتقلين على خلفيته ….

    و دون أن أعرج على مواقف كل من الجزائر و موريتانيا المعلنة ، أكتفي بما تم سرده منبها إلى خطورة هذه المواقف و تأثيراتها السلبية على الحرب المستعرة ضد المغرب ، من منطلق ثقل هذه الدول الوازنة قاريا/ إقليميا/ جهويا/دوليا ، لا سيما فدرالية روسيا التي من المرتقب و المحتمل ، أن تلجأ إلى احتواء الموقف الرسمي الفرنسي ، و ممارسة المزيد من الضغوط للحد من الدعم الفرنسي للمغرب في قضية الصحراء ، بخاصة أن زمن وهن فرنسا قد انطلق ، بدءا برفض وزير خارجيتها لقاء السيد بوريطة شهر أكتوبر الفارط في الأمم المتحدة ، بمناسبة انعقاد جلسات مجلس الأمن بخصوص الصحراء ، في حين إلتقى بنظيره الجزائري ..؟ ، مرورا بالجزائر ثم الملف الليبي وما يعتريه من مواجهات بينها و الأتراك ، و ليس انتهاءا بالأزمة و المظاهرات الشعبية بالعاصمة المالية ، المطالبة برحيل الرئيس المالي و رفع اليد الفرنسية عن جمهورية مالي ، و وضع حد لنهب ثروات الشعب من الذهب …. ( للإشارة دولة مالي منتجة للذهب بكميات معتبرة ) .

    فمتى تضع الحرب أوزارها ؟ ثم ماذا لو تحول الصراع إلى مواجهة بين المغرب و الأمم المتحدة ؟ بعض التسريبات تشير إلى إمكانية إدراج قضية الصحراء ضمن مقتضيات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، في حالة ثبوث عجز بعثة المينورسو على القيام بما انتذبت لأجله ( مراقبة وقف إطلاق النار/ الإشراف على تنظيم استفتاء طبقا للوائح الأممية التي حددت العدد في حوالي 173.600 فرد تحق لهم المشاركة ) . فهل تحتمل الجبهة الداخلية بشقيها السياسي و الإقتصادي وهي على هذا الحال ” مشهد فسيفسائي حزبي مبلقن/ حاضنة شعبية مشروخة متهالكة/ سخط و تذمر يعم كل الفئات/ إقتصاد مهزوز يئن تحت وقع المديونية و الحالة الكورونية …. ” ، قلت ، هل تتحمل أو تستحمل تبعات أية مواجهة ؟ ثم هل يصلح العطار ما أفسده الدهر…. فالمساحيق تزول …؟ .

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

بنشعبون : الحكومة ستعمل على تنزيل توجيهات خطاب العرش فورا

بنشعبون : الحكومة ستعمل على تنزيل توجيهات خطاب العرش فورا