حينما يطال الإهمال سكون الموتى.. حريق “مقبرة الشهداء” بوادي زم: صرخة في وجه التهميش وغياب الضمير

في مشاهد تدمي القلوب وتستفز المشاعر، تحولت “مقبرة الشهداء” بمدينة وادي زم من ملاذ لسكينة الأرواح ومحطٍ للوقار والترحم، إلى سحابة سوداء تنبعث منها أدخنة الإهمال والتقصير … إن اندلاع النيران بين جنبات هذا الفضاء ليس مجرد حادث عرضي مرّ بهدوء، بل هو صفعة مدوية في وجه التدبير المحلي، وجرس إنذار يصرخ بمرارة : حتى حرمة الأموات لم تعد تسلم من ضريبة اللامبالاة !
كيف تتحول قبور أناس عاشوا بيننا، وراحلين يستحقون أقصى درجات التبجيل، إلى هشيم تلتهمه ألسنة اللهب في رمشة عين؟ الجواب يكمن في ذلك التراكم العشوائي للأعشاب الجافة والشوكية التي طوقت القبور منذ أشهر، دون أن تمتد إليها يد الصيانة أو النظافة … لقد وُجدت الأعشاب اليابسة، واشتدت حرارة الصيف، فكانت المقبرة عبارة عن “قنبلة موقوتة” تنتظر شرارة واحدة لتندلع … ولولا ألطاف الله ثم التدخل الميداني البطولي لعناصر الوقاية المدنية وبسالة المواطنين الذين سارعوا لإطفاء الحريق، لشهدنا كارثة رمزية وأخلاقية تتجاوز كل الحدود.
إن هذا الحادث الأليم يضع المجلس الجماعي والسلطات المحلية بوادي زم أمام محاكمة أخلاقية وإدارية صريحة … ليكون السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه : ألم يحن الوقت بعد لتدرك المجالس المنتخبة أن صيانة المقابر وحمايتها هي جزء لا يتجزأ من الكرامة الإنسانية؟
إن تسييج المقابر، وتوفير الحراسة الدائمة، وتنظيم حملات تطوعية ودورية لإزالة الأعشاب الضارة، وتوفير نقط المياه للتدخل السريع، ليست “كماليات” بل هي أضعف الإيمان وأولى الأولويات!
إن احترام الشعوب لذاتها وذاكرتها لا يُقاس فقط بكيفية عيش أحيائها، بل يتجلى في مدى تصالحها مع أمواتها وصيانة حرماتهم … فما حدث في “مقبرة الشهداء” يجب ألا يمر كحدث عابر يطويه النسيان، بل يجب أن يكون نقطة قطع مع سياسة الآذان الصماء، ودعوة عاجلة لوضع استراتيجية صارمة لإعادة الهيبة لحرمة المقابر . فالأجساد التي تحت التراب قد فقدت قدرتها على الكلام، لكن المشهد اليوم يصرخ نيابة عنها : أنقذوا حرمة موتانـا من مقصلة الإهمال!





