حين يتحول التشريع إلى عبئ: مشروع 16.22 المتعلق بمهنة العدول ومأزق دولة القانون
بقلم دهراوي المصطفى عدل باستئنافية الجديدة

ليس كل تشريع إصلاحا وليس كل نص قانوني خطوة إلى الأمام. فمتانة دولة القانون لا تقاس بسرعة سن القوانين ولا بكثرتها بل تقاس بمدى عدالتها وانسجامها وقدرتها على حماية الحقوق وضمان التوازن بين المؤسسات. ومن هذا المنطلق يطرح مشروع القانون 16.22 المتعلق بمهنة العدول أكثر من علامة استفهام بل يفتح الباب أمام نقاش حقيقي حول اتجاه السياسة التشريعية في بلادنا.
لقد أصبح من الواضح أن هذا المشروع بدل أن يعزز مهنة عريقة ضاربة في جذور التاريخ القانوني المغربي يسير في اتجاه تضييق الخناق عليها في غياب رؤية إصلاحية شمولية ومتوازنة. فالتشريع حين يفقد روحه التشاركية ويتحول إلى أداة لفرض تصورات أحادية فإنه لا يُنتج إلا التوتر والرفض ويُضعف الثقة في المؤسسات.
أين هي المقاربة التشاركية التي نص عليها الدستور؟ وأين هو إشراك الفاعلين الحقيقيين في الميدان الذين راكموا تجربة طويلة في التوثيق العدلي؟ إن تغييب صوت العدول في صياغة هذا المشروع لا يمكن تفسيره إلا باعتباره خللاً منهجياً خطيراً يضرب في العمق مبدأ الديمقراطية التشاركية ويجعل النص مشوبا بنقص في المشروعية المعنوية حتى وإن استوفى شكليا مساره التشريعي.
أما من حيث المضمون فإن المشروع يثير مخاوف حقيقية تتعلق بالمساس بالحقوق المكتسبة وإعادة توزيع غير متوازن للاختصاصات بشكل قد يؤدي إلى إضعاف دور العدل بدل تأهيله. وهنا مكمن الخطر: لأن إضعاف مهنة التوثيق العدلي لا يضر بالعدول وحدهم بل ينعكس سلبا على أمن المعاملات وثقة المواطن في العدالة التعاقدية.
إن الأمن القانوني ليس شعارا يرفع بل هو التزام تشريعي ومؤسساتي يقتضي الاستقرار والوضوح والتوازن وأي نص قانوني يفتقر لهذه العناصر مهما كانت نواياه المعلنة يظل تهديدا لهذا الأمن. فهل يعقل أن نسير نحو إصلاح يربك المهنة بدل أن يطورها؟ وهل من الحكمة أن ندخل منظومة التوثيق في حالة من عدم اليقين؟
الأخطر من ذلك أن المشروع يكرس بشكل غير مباشر هيمنة المقاربة الإدارية على حساب الاستقلال المهني وهو توجه يتعارض مع روح الدستور الذي يقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة وعلى تعزيز استقلال الفاعلين داخل منظومة العدالة. فالمهنة التي تحاصر إداريا تفقد قدرتها على الإبداع والعطاء وتتحول إلى مجرد وظيفة شكلية بلا روح.
إن مصلحة الوطن والمواطن يجب أن تكون فوق كل اعتبار. والإصلاح الحقيقي لا يكون بإقصاء مهنة أو إضعافها بل بتقويتها وتأهيلها وضمان تكاملها مع باقي المهن القانونية والقضائية. فالمواطن في النهاية لا يعنيه صراع الاختصاصات بل يعنيه وجود خدمة توثيقية آمنة سريعة وموثوقة.
إننا اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن نختار تشريعاً متوازناً ينصت للمهنيين ويستحضر مصلحة المواطن وإما أن نستمر في إنتاج نصوص تُعمّق الأزمة وتُفقد الثقة. ومشروع 16.22 بصيغته الحالية لا يبدو أنه يسير في الاتجاه الصحيح.
ختاما إن قوة الدول لا تُبنى بكثرة القوانين بل بعدالتها. والتاريخ لا يرحم التشريعات التي ولدت في غياب التوافق ولا يغفر للنصوص التي أضرت بالمؤسسات بدل أن تحميها. فهل من مراجعة شجاعة قبل فوات الأوان؟




