حين يترجل عن الساحة أحد فرسانها … رسالة تتوهج في رحيل الأستاذ

بقلم : سيداتي بيدا

في لحظةٍ مفجعة ستظل محفورة في ذاكرة المشهد التربوي بإقليم الحسيمة، فقدت الساحة التعليمية أحد أبرز أعلامها، حين غيّب الموت أستاذاً فاضلاً أثناء مشاركته في ندوة تربوية بثانوية تارجيست التأهيلية. كان الفقيد، الذي وُهبت حياته للعلم والمعرفة، مثالاً للتفاني والإخلاص في خدمة التربية وصناعة الأجيال. رحيله لم يكن مجرد خبر، بل صدمة ألقت بظلالها على زملائه وطلابه وكل من عرفه، مؤكدة أن الإنسان الكبير يترك أثره في المكان قبل أن يغادره.
وبحسب المعطيات، وقع الحادث فجأة أثناء نقاش محتدم حول تطوير الممارسات البيداغوجية والارتقاء بالعملية التعليمية. حاول الحاضرون، ومن بينهم مفتش مادة اللغة العربية، تقديم الإسعافات الأولية قبل نقله إلى المستشفى المحلي، ومن ثم إلى المستشفى الإقليمي بالحسيمة، في مسعى لإنقاذ حياته. ورغم جهود الطاقم الطبي المتواصلة في قسم العناية المركزة، لم يُكتب له النجاة، وغادر الحياة وهو في فضاء العلم والحوار الذي أحبه وكرّس له عمره.
لقد كان الفقيد نموذجاً للأخلاق والرصانة العلمية، أستاذاً يفيض حضوره هدوءاً وحكمة، يرى في التدريس رسالة سامية تتجاوز مجرد المهنة، لتصبح بناءً للإنسان ونوراً للعقل. لم يكن حضور الندوات التربوية مجرد مشاركة شكلية بالنسبة له، بل كان مختبراً للأفكار وميداناً للتبادل والتطوير، فكان قدره أن يغادر الحياة وهو يؤدي رسالته، شاهداً على صدق التزامه وإيماناً عميقاً بأن المعرفة هي الأساس لبناء الإنسان.
هذه الفاجعة المؤلمة تُعيد النقاش حول الظروف المهنية والصحية والنفسية التي يشتغل فيها المعلمون، والضغوط المتراكمة التي يواجهونها، مؤكدين الحاجة الماسة لدعم بيئة تربوية آمنة وصحية، تمكّن المربين من ممارسة رسالتهم النبيلة بأريحية، حمايةً لهم وصيانةً لعطاءهم المتواصل.
يبقى عزاؤنا في أن الأستاذ غادرنا وهو متمسّك بشعلة المعرفة، واقفاً في خدمة رسالته، تاركاً إرثاً من الحكمة والإلهام في قلوب من علّمه، وفي ذاكرة مدرسةٍ فقدت أحد فرسانها الأوفياء. إن رحيله لم يطفئ شعلة العلم، بل جعلها تضيء أكثر، لتذكّرنا بأن الرسالة التربوية أسمى من الحياة نفسها، وأن أثر المربي الحقيقي يبقى حيّاً في كل عقل وقلب صاغه بعطائه.





