
في بلاد الغربة، لا تكون قسوة الحياة في بُعد المسافات وحده، بل في تلك اللحظات التي تشعر فيها أن كل الأبواب قد أُغلقت في وجهك، تكون قد أمضيت سنوات تمد يد العون للآخرين، ماديًا ومعنويًا، وتقف إلى جانب كل من احتاج إليك، دون أن تنتظر مقابلًا أو كلمة شكر،
لكن الحياة تكشف أحيانًا حقيقة العلاقات عندما تتغير الأدوار، فما إن تصبح أنت المحتاج، حتى تكتشف أن بعض من أحسنت إليهم قد أداروا ظهورهم، وكأن المعروف الذي قدمته تبخر مع أول اختبار، تدرك أن العطاء لا يضمن الوفاء، وأن المواقف وحدها هي التي تكشف معادن البشر.
الغربة تعلم الإنسان دروسًا قاسية، لكنها ثمينة، تعلمه أن يعتمد على نفسه، وأن يميز بين من كان قريبًا لمصلحة، ومن بقي قريبًا وفاءً، كما تعلمه أن الكرامة لا تُقاس بما يقدمه للناس، بل بقدرته على النهوض من جديد، حتى عندما يخذله الجميع.
ورغم مرارة الخذلان، يبقى الخير قيمة لا ينبغي أن نتخلى عنها، فالعطاء الحقيقي لا يكون انتظارًا للمقابل، وإنما تعبيرًا عن أخلاق الإنسان ومبادئه، أما الذين ينسون أيادي الخير عند أول اختبار، فإنهم يخسرون أكثر مما يخسر من أحسن إليهم.
قد تُغلق أبواب كثيرة في وجهك، لكن باب الأمل لا يُغلق ما دام الإنسان مؤمنًا بقدرته على البدء من جديد، فالغربة قد تكسر القلب أحيانًا، لكنها تصنع أيضًا إنسانًا أكثر قوة، وأكثر وعيًا بمن يستحق أن يبقى في حياته.





