
ليس أكثر إيلامًا من أن يركب شاب قاربًا متهالكًا، وهو يعلم أن البحر قد يبتلعه في أية لحظة، إلا أن يكون وجهته مدينةً محتلة، يراها ملاذًا للكرامة وفرصةً للحياة، فحين يُغامر مئات الشباب بأرواحهم للوصول إلى الثغر المحتل، فإن الأمر يتجاوز حدود الهجرة السرية، ويتحول إلى محاكمة قاسية للواقع الوطني، وإدانة صريحة لسياسات عمومية أخفقت في بناء الأمل قبل أن تعجز عن توفير فرص العيش.
إن مشهد قوارب الموت لم يعد خبرًا عابرًا في صفحات الحوادث، بل أصبح مؤشرًا خطيرًا على أزمة عميقة تضرب العلاقة بين المواطن ووطنه، فالشاب الذي يختار مواجهة الأمواج والعواصف، لا يهرب من الجغرافيا، بل من واقع يراه مغلقًا في وجه أحلامه، ومن اقتصاد لا يمنحه فرصة، ومن سياسات لم تستطع أن تجعل الانتماء إلى الوطن مشروعًا للمستقبل بدل أن يصبح مجرد عبء.
وتبلغ المأساة ذروتها حين يكون المقصد مدينةً لا تزال ترزح تحت الاحتلال، بما يحمله ذلك من رمزية سياسية ووطنية مؤلمة، فليس السؤال اليوم لماذا يهاجر الشباب، بل لماذا أصبح الثغر المحتل، في نظر كثير منهم، أقرب إلى تحقيق الكرامة من مدن وطنهم؟ وكيف وصلنا إلى مرحلة يفضّل فيها بعض المواطنين المخاطرة بحياتهم، على أن يبقوا أسرى البطالة والتهميش وانسداد الأفق؟
إن الاكتفاء بملاحقة شبكات تهريب البشر أو تشديد المراقبة على السواحل ليس سوى معالجة لأعراض المرض، بينما يبقى الداء الحقيقي قائمًا، فالمهرب لا يصنع اليأس، بل يستثمر فيه، والبحر لا يدفع الشباب إلى ركوبه، بل يدفعهم إليه واقع يشعرون فيه بأن أبواب المستقبل أوصدت في وجوههم.
لقد آن الأوان للانتقال من سياسة تدبير الأزمات إلى سياسة صناعة الأمل، فالتنمية الحقيقية ليست مشاريع إسمنتية تُعرض في التقارير، ولا أرقام نمو تُتلى في الخطب الرسمية، بل هي قدرة المواطن على أن يجد عملًا كريمًا، وتعليمًا جيدًا، وخدمات تحفظ كرامته، وعدالة اجتماعية تمنحه شعورًا بأن مستقبله يمكن أن يُصنع داخل وطنه لا خارجه.
إن الدول التي تنجح ليست تلك التي تمنع أبناءها من الهجرة بالقوة، بل تلك التي تجعل البقاء فيها خيارًا طبيعيًا ومغريًا، أما حين يصبح البحر أقل رعبًا من الواقع، وتتحول الضفة الأخرى إلى حلم، مهما كانت تعقيداتها السياسية والتاريخية، فإن ذلك يعني أن الخلل لم يعد في الشباب، بل في السياسات التي دفعتهم إلى هذا الاختيار.
إن الوطن الذي يعجز عن احتضان شبابه، يفرط في أثمن ثرواته، وقوارب الموت ليست مجرد وسيلة للهجرة، بل رسائل احتجاج صامتة، يكتبها اليأس فوق أمواج البحر، وتصل إلى الجميع إلا أولئك الذين ما زالوا يعتقدون أن المشكلة تبدأ عند الشاطئ، بينما هي في الحقيقة تبدأ قبل ذلك بكثير، حيث تُولد البطالة، ويتسع التهميش، ويضيق الأمل.





