
في المغرب وحده، وُلدت مدرسةٌ اقتصادية جديدة يمكن تسميتها — من باب السخرية لا التحليل الأكاديمي — بـ «تضارب المصالح المُقنَّع»، مدرسةٌ بطلها مسؤولٌ يجمع بين موقع القرار العمومي ومواقع النفوذ في سوقٍ حساس، فيغدو السؤال بديهيًا ومحرجًا في آن: كيف تُدار الأسعار حين يكون الحكم لاعبًا، واللاعب حكمًا؟
يخرج الخطاب الرسمي مبتسمًا ليحدّثنا عن «مؤشرات إيجابية» و«تعافٍ اقتصادي»، بينما يواجه المواطن مؤشرات أخرى في السوق لا تحتاج إلى بلاغات ولا عروض “باوربوينت”:
أسعار المحروقات ترتفع بلا سقفٍ واضح، والمواد الأساسية تشتعل، حتى صار اللحم ضيفًا عابرًا في موائد كثيرة، وأضحى البصل سلعةً تُقتنى بالحساب والاحتياط.
أما «الدولة الاجتماعية» التي وُعِد بها الناس، فقد فَهِمها الشارع على نحوٍ مرير: اجتماعية في الشعارات، قاسية في الأثر، تُثقِل كاهل الأسر، وتتركها وحيدةً في مواجهة موجة غلاء لا ترحم.
حين يفقد الحياد معناه.. فجوهر الإشكال ليس في الاختلاف السياسي، بل في الحياد.
كيف يُنتظر من رئيس حكومة أن يقود خفض أسعار قطاعٍ هو أحد كبار فاعليه؟
هنا يختلّ الميزان: تتكدّس الأرباح في جهة، وتتكدّس الأزمات في جهة أخرى. والسياسة، في أصلها، تدبير للصالح العام، لا إدارةً لتقاطعات المصالح الخاصة.
تخيّل مباراةً يكون فيها الخصم هو الحكم، وهو من يحدّد القواعد، ويبيع الصافرة، ويسقي الملعب.
هل يمكن أن تنتهي بتعادل؟
النتيجة معروفة سلفًا، والخاسر الدائم هو جيب المواطن.
كلما اشتدّ الغلاء، تكاثرت الشعارات:
«تستحقون الأفضل» عبارة جميلة، لكنها لا تُشبع مائدة، ولا تُخفّف فاتورة، ولا تملأ خزانًا.
وعود فرص الشغل تحوّلت، في الوعي الشعبي، إلى فرص للهجرة، بعدما صار الأمل أثقل من أن يُحمَل، وأغلى من أن يُصان.
هيبة الدولة لا تُقاس بامتلاء خزانات الوقود، بل بطمأنينة البيوت.
والسياسة ليست حساب أرباح، بل حساب كرامة.
المطلوب اليوم وضوحٌ حقيقي في الفصل بين السلطة والمصلحة، وشجاعةٌ في حماية المستهلك، وعدالةٌ في توزيع كلفة الأزمات، لا تحميلها دائمًا للحلقة الأضعف.
لقد نجح الغلاء في تعليم الناس حساب اللتر قبل حساب الأيام،
لكن الأمل يبقى في أن تتعلّم الحكامة درسًا أقدم وأبسط:
حين يضيق العيش، لا تنفع الابتسامة… بل ينفع القرار العادل.





