حين يصنع “الدوار” الأبطال والعلماء والرجال

أحمد الزوين
حتى لا ننسى دوار المناقرة الحدادة… وحتى لا نختزل تاريخه في إنجاز واحد مهما كان عظيماً.
عندما اعتلى عماد بوشجدة عداء نادي النهضة أتلتيك الزمامرة لألعاب القوى منصة التتويج العالمي في الولايات المتحدة الأمريكية، وأحرز لقب العالم في سباق 800 متر لم تكن فرحة أبناء دوار المناقرة الحدادة بجماعة الغنادرة إقليم سيدي بنور مجرد فرحة بإنجاز رياضي عابر، بل كانت فرحة بتاريخ طويل من العطاء، وكأن هذا الدوار كان يستعيد أمام العالم بعضاً من أبنائه الذين حملوا اسمه، كلٌّ في مجاله.
إنجاز عماد بوشجدة العالمي ليس غريباً على المناقرة الحدادة.
دوار المناقرة الحدادة الواقع غرب مدينة الزمامرة على بعد نحو كيلومتر واحد، والذي يعد من أكبر دواوير إقليم سيدي بنور من حيث المساحة وعدد السكان، ظل على امتداد عقود خزّاناً للمواهب والطاقات، وأنجب رجالاً بصموا أسماءهم في الرياضة والتعليم والطب والفقه والإعلام والعمل الجمعوي والإدارة وغيرها من المجالات.
كرة القدم… أبناء دوار المناقرة الحدادة في ذاكرة نهضة الزمامرة
في كرة القدم أعطى دوار المناقرة الحدادة عدداً كبيراً من اللاعبين الذين حملوا قميص نهضة الزمامرة، ودافعوا عن ألوان الفريق في مراحل مختلفة من تاريخه.
ومن بين هؤلاء: عبد الكبير لمهف “التيكانا”، الذي لعب لنهضة الزمامرة 20 سنة، من 1986 إلى 2006، وامحمد هردلة 2، ومحمد هردلة، والمرحوم إدريس الوناني، وامحمد هردلة 1، والعربي برياح، وعزيز واوا، ومصطفى لمهف، ومصطفى عطي، وميمون الزوين، ومحمد نور، وإدريس نور، ونور الدين هردلة، وعبد الكبير لحنين، وأحمد الزوين، وبوريكة مصطفى، وبوريكة عبد الرحمان، ومصطفى لفريحي، وإسماعيل النقيري، وأحمد نزار، وسعيد الوناني، وحسن نزار، والمرحوم امحمد لفريحي، ويونس هردلة، وغيرهم من اللاعبين الذين لا يتسع المجال لذكرهم جميعاً.
ولم يكن حضور أبناء المناقرة الحدادة مقتصراً على المستطيل الأخضر، بل امتد إلى تسيير نادي النهضة أتلتيك الزمامرة.
من أبناء دوار المناقرة الحدادة المرحوم إدريس الوناني الذي شغل منصب نائب الرئيس في أول مكتب مسير للفريق، وكان في الوقت نفسه أول مدرب للفريق ولاعباً ضمن صفوفه، ليكون بذلك واحداً من الرجال الذين ساهموا في وضع اللبنات الأولى لمسيرة النادي.
ومن أبنائه أيضاً العربي برياح الذي شغل منصب رئيس للفريق بعدما كان لاعباً سابقاً ضمن صفوفه، ومحمد هردلة الذي تولى مهمة أمين المال، وهو أيضاً لاعب سابق للفريق.
كما كان أحمد الزوين من أبناء الدوار الذين ساهموا في مسيرة النادي من موقع التسيير، حيث شغل مهمة الرئيس المنتدب، وعاش مع الفريق محطة تاريخية تمثلت في صعود نهضة الزمامرة من القسم الثاني هواة إلى القسم الأول هواة، ثم إلى القسم الوطني، ثم إلى القسم الثاني للنخبة، وصولاً إلى القسم الأول للنخبة، وكان لاعباً سابقاً أيضاً.
ألعاب القوى… من إدريس الوناني إلى عماد بوشجدة
وإذا كانت كرة القدم قد حملت أسماء أبناء المناقرة الحدادة، فإن ألعاب القوى بدورها وجدت في هذا الدوار خزّاناً للمواهب.
وكانت البداية مع إدريس الوناني بطل المغرب في سباق 200 متر في ستينيات القرن الماضي إلى جانب نزهة عزيف، ولطيفة لحنين، وبوعوينة وغيرهم من العدائين.
ومن أبناء الدوار أيضاً عبد الكريم الساسي رئيس نادي النهضة أتلتيك الزمامرة لألعاب القوى، والرجل الذي ارتبط اسمه بالتنقيب عن المواهب وتكوينها ورعايتها.
ومن هذه المدرسة الرياضية خرج عماد بوشجدة ابن دوار المناقرة الحدادة ليصل إلى قمة المجد ويكتب اسمه في سجل الأبطال العالميين.
تتويج بوشجدة لم يكن وليد الصدفة، بل هو امتداد طبيعي لمسار رياضي طويل عرفه دوار المناقرة الحدادة، وتكاملت فيه جهود الأسرة والمدرسة والمدربين والمسيرين وكل من آمن بقدرة أبناء المنطقة على الوصول إلى القمة.
الفقه والعلوم الشرعية… مدرسة صنعت العلماء
قصة المناقرة الحدادة لا تبدأ بالرياضة ولا تنتهي بها.
فهذا الدوار اشتهر كذلك في مرحلة من مراحله بوجود مدرسة للتعليم العتيق، تخرج منها عدد من الطلبة الذين أصبحوا لاحقاً أطرًا في التعليم والقضاء في زمن كان فيه التعليم العتيق بعيداً عن الأضواء ولا يحظى بما يحظى به اليوم من اهتمام.
كما أن دوار المناقرة الحدادة أنجب أطباء وقضاة، وأساتذة وفقهاء في العلوم الفقهية والشرعية، من بينهم:
إدريس الزوين “بابا إدريس”، والحاج الزوين التهامي بلفقيه، والحاج بلمخيرة، وسي أحمد، وسي الغزواني، وإدريس نور، ومحمد الزوين بلفقيه، وامحمد الزوين بلفقيه، وغيرهم من الفقهاء وأهل العلم.
وهؤلاء الرجال يمثلون جزءاً من الذاكرة العلمية والروحية للدوار، ويجسدون مرحلة كان فيها العلم الشرعي والتعليم العتيق أحد أهم أبواب المعرفة وتكوين الأجيال.
ومن هنا، فإن الحديث عن المناقرة الحدادة هو أيضاً حديث عن العلم والفقه وحفظ الذاكرة الدينية والتعليمية، وليس عن الرياضة وحدها.
فنون الحرب… أبطال في الكراطي
لم تتوقف مواهب أبناء المناقرة الحدادة عند كرة القدم وألعاب القوى، بل امتدت كذلك إلى فنون الحرب، وخاصة رياضة الكراطي.
فقد أنجب الدوار عدداً كبيراً من الأبطال والممارسين الذين تركوا بصمتهم في هذه الرياضة، ومن بينهم محمد واوا، الحاصل على الحزام الأسود الدرجة الخامسة، وعزيز واوا، وإبراهيم عدنان الشينوي، وسعيد عدنان، وغيرهم من أبناء الدوار الذين مارسوا هذه الرياضة ورفعوا راية التفوق والانضباط.
والكراطي كما هو معروف ليس مجرد رياضة، بل مدرسة في للانضباط والصبر واحترام الآخر وقوة الإرادة، وهي قيم لطالما حملها أبناء المناقرة الحدادة في مختلف المجالات.
العمل الجمعوي… حين يخدم أبناء الدوار مجتمعهم
وفي المجال الجمعوي سجلت جمعية الصفاء للدوار حضوراً بارزاً، وأسهمت في تأطير السكان وخدمة الصالح العام.
كما ارتبط اسمها بإحداث تعاونية أمل المناقرة لجمع وتسويق الحليب.
ومن فائض مداخيل التعاونية تم اقتناء أرض وبناء مقر لها، إلى جانب تشييد مسجد كبير أصبح معلمة دينية واجتماعية بالدوار، وهو مسجد الرحمان الذي تُقام فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة.
ويضم الدوار اليوم ستة مساجد تُقام فيها الصلوات الخمس، في مشهد يعكس حضور الدين والتكافل في حياة سكانه.
المناقرة الحدادة… أكثر من مجرد دوار
هنا تكمن الحكاية الحقيقية للمناقرة الحدادة.
حكاية دوار أنجب لاعباً، ومدرباً، ومسيراً، ورئيساً، وفقيهاً، وأستاذاً، وطبيباً، وصحفياً، وبطلاً في فنون الحرب، وبطلاً عالمياً في ألعاب القوى.
وحين وقف عماد بوشجدة فوق منصة التتويج العالمي، لم يكن وحده هناك.
كان خلفه دوار بأكمله…
كان خلفه آباء وأمهات، ومدرسون، ومدربون، ومسيرون، وجمعيات، ولاعبون سبقوه، ورجال صنعوا من الإمكانات المحدودة أحلاماً كبيرة.
كان خلفه تاريخ المناقرة الحدادة.
ولهذا فإن تتويج بوشجدة العالمي ليس حدثاً منفصلاً عن تاريخ الدوار، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإنجازات.
فطوبى لكل من ساهم في بناء هذا التاريخ، ورحمة الله على من رحلوا من رجالات المناقرة الحدادة وتركوا وراءهم سيرة عطرة، والتحية لكل الأحياء الذين ما زالوا يحملون مشعل العطاء.
حتى لا ننسى…
لا ينبغي أن نتذكر المناقرة الحدادة فقط عندما يخرج منها بطل عالمي، بل علينا أن نتذكر دائماً أنها كانت وستظل مشتلاً للرجال والمواهب والكفاءات.
والأمل أن يواصل أبناء الدوار مسيرة من سبقوهم، وأن يحمل شباب المناقرة الحدادة راية النجاح في الرياضة والعلم والعمل والإبداع.
فمن دوار المناقرة الحدادة بدأت حكايات كثيرة…
وحكاية عماد بوشجدة ليست إلا فصلاً جديداً من كتاب لم يُغلق بعد.





