
عن موقع : المساء24 بقلم : بلعيد كروم.
توقيف الخطيب الدكتور مصطفى قرطاح من مسجد الغفران بحي الوفاء بالقنيطرة لم يكن خبرا عاديا، بل صدمة حقيقية للساكنة التي اعتادت أن تجعل من خطبته موعدا أسبوعيا للترابط والتضامن والإصلاح. كان الرجل معروفا باعتداله ووطنيته وحرصه على معالجة قضايا المجتمع من الأسرة إلى الحي، ومن الوطن إلى فلسطين، حتى أصبح كل صغير وكبير يترقب كلماته ويستعيدها في بيوت الناس بعد صلاة الجمعة.
أيعقل أن يعزل خطيب جمعة من فوق منبر رسول الله لأنه صدع بالحق وانتقد فساد الواقع وانحرافاته؟، أيعقل أن يكون الدعاء لفلسطين أو التنبيه إلى خطورة بعض السلوكيات المدمرة للشباب سببا لإقصاء صوت أحبه الناس وألفوه؟. هذا ما حدث مع الدكتور مصطفى قرطاح، خطيب مسجد الغفران بحي الوفاء بالقنيطرة، الذي وجد نفسه مطرودا من المنبر بعد سنوات من خدمة المصلين، لأن كلماته لم تجامل الواقع ولم تهادن الباطل.
الكل يعرف أن قرطاح لم يكن مجرد خطيب يقرأ نصا باردا، بل كان أبا روحيا لأبناء الحي، ينصح الأزواج، يواسي المرضى، يدعو للديانين، ويخص فلسطين بالدعاء كل جمعة. فجأة، وجد المصلون أنفسهم محرومين من خطبة كانت تنعش القلوب وتربط الناس بالمسجد، حتى شبه كثيرون غيابه بطفل تائه فقد أبويه وسط الزحام. لكن القرار لم يكن بريئا كما يراد تسويقه، فقد تزامن مع موقف جريء عبر فيه الخطيب عن رفضه لاستدعاء مغني الراب “طوطو” إلى مهرجان القنيطرة.
“طوطو” يعزل خطيب جمعة في مدينة القنيطرة، ويمنعه من منبر رسول الله والخطبة في المصلين وإمامتهم!، هكذا علق أحدهم على قرار التوقيف. الأستاذ الخطيب المتمكن الغيور على دينه ووطنه انتقد على صفحته الشخصية سهرة “طوطو”، فلم يتأخر عنه قرار العزل. “طوطو” له كامل الحرية أن يقول ما يشاء أمام الآلاف، منهم الأطفال ذكورا وإناثا، وله أن ينزل الأسمال التي يرتديها حتى يكاد يبدي سوءته، وله الحق أن يدخن الحشيش على المنصة، ويتلفظ بالكلام الفاحش، ويحرض على ما يخالف الأعراف والأخلاق والقوانين، بينما الإمام مراقب تحبس أنفاسه ويعزل إذا فتح فمه أو أنكر منكرا.
أي منطق هذا؟ ومن أنفع للبلاد والعباد، من لا يؤذي ويصلح ويذكر الناس بخالقهم، أم من يجرهم إلى الرذيلة باسم الفن والحرية؟.
القرار إذن ليس سوى تكريس لسياسة الكيل بمكيالين، فبينما يحق للفنان أن يقول ما يشاء بلا رقيب، يمنع على الخطيب أن يذكر فلسطين، أو أن ينتقد انحرافا يهدد شباب الأمة، أو أن يعبر عن غيرته على وطنه ومجتمعه.
التناقض صارخ، فالدولة نفسها ترسل المساعدات إلى غزة عبر لجنة القدس برئاسة الملك محمد السادس، وقنواتها الرسمية تصف إسرائيل بالدولة المحتلة وتدين جرائمها، ومع ذلك يعزل خطيب لأنه دعا لغزة أو تجرأ على انتقاد سهرة فاسدة.
ورغم مرارة القرار، جاءت رسالة الدكتور مصطفى قرطاح مفعمة بالشكر والعرفان لزملائه ورفاقه في المجلس العلمي، بلسان رجل مؤمن يرى المنبر رسالة وتكليفا لا وظيفةً إدارية. وهنا يظهر الفرق بين خطيب مخلص ووزارة تحولت في أعين كثيرين إلى “وزارة التوقيفات”، لا تبقي على خطيب إلا إذا كان صوته على المقاس.
لقد خسر حي الوفاء خطيبا حقيقيا، وخسرت القنيطرة منبرا كان يربط المسجد بالناس، أما الوزارة فقد ربحت وزرا ثقيلا على عاتقها ووصمة عار ستبقى شاهدة على زمن يعاقب فيه الإمام ويكرم فيه “طوطو”.





